بقلم أولي هانسن: شهدت الأسواق المالية هدوءاً استثنائياً ترقباً للاجتماع المنتظر للجنة الفدرالية للأسواق المفتوحة الأسبوع الماضي، والذي أنعش الآمال باحتمال حدوث رفع لمعدلات الفائدة للمرة الأولى منذ حوالي عشر سنوات. إلا أن رئيسة الاحتياطي الفدرالي جانيت يللين وزملاءها اختاروا عدم إجراء أي تغيير على الوضع الراهن، كما أعقبوا اجتماعهم ببيان اتسم بالمداهنة والمسالمة بشكل مفاجئ. 

وعلى الرغم من النشاط الملحوظ في السوق الأمريكية وبيانات التوظيف القوية التي شهدتها، إلا أن التقلبات الحادة التي شهدتها السوق في أواخر أغسطس وتطورات السلع من جهة، وسياسات الفائدة الجديدة التي أصدرتها الصين من جهة أخرى، دفعت الاحتياطي الفدرالي إلى التريث والحفاظ على الوضع الراهن في الوقت الحالي. 

عند شعور اللجنة الفدرالية للأسواق المفتوحة بالقلق حول النمو الاقتصادي في الأسواق خارج الولايات المتحدة الأمريكية، وخصوصاً في الصين وغيرها من الاقتصاديات الناشئة، فهذا الشعور يثير بعض المخاوف والتطلعات المتشائمة على المدى القريب حيال الطلب على السلع الحساسة للنمو الاقتصادي، مثل الطاقة والمعادن الصناعية.

ومن هذا المنطلق، لم تكن استجابة السوق مفاجئة تماماً، حيث شهدت المعادن الثمينة تزايداً في الطلب على حساب المعادن الصناعية التي خسرت بعضاً من نشاطها القوي الذي حققته مؤخراً. وفي قطاع الطاقة، شهد السوق أداءاً متبايناً، حيث تقدم أداء خام غرب تكساس المتوسط متجاوزاً مزيج برنت بهامش واسع، بعد التراجع المفاجئ في مخزون الولايات المتحدة الأمريكية النفطي، إلى جانب التراجع في العرض من منطقة حوض الأطلسي.

وشهد معدن الفضة الأداء الأفضل هذا الأسبوع، حيث سجل مستوى تقنياً جديداً تجاوز أداء الذهب بما يقارب 2%. وحل المعدن الأبيض في المرتبة الثانية من حيث الأداء لعام 2015 بعد الكاكاو مباشرة، وهو ما فاجأ العديد من المراقبين. وقد استعاد الفضة زخمه متأثراً بتراجع المحاصيل نتيجة للجفاف الذي يضرب منطقة غرب أفريقيا. وتوقع تقرير صادر عن البنك الدولي مخاطر حدوث ارتفاع في الشح العالمي خلال موسم 2015/2016، خصوصاً مع توقعات بحدوث ظاهرة النينيو، والتي قد تترك آثاراً مدمرة على المحاصيل في غرب أفريقيا.

بالمقابل، شهدت المعادن الصناعية، وخصوصاً الزنك والنيكل، تراجعاً ملحوظاً بعد خطوة الاحتياطي الفدرالي التي تشير إلى مخاوف حول الأسواق الناشئة. من جانبه، عاد النحاس عالي الجودة إلى أدائه السابق بعد فترة من الأداء العالي حقق خلالها ارتفاعاً بقيمة 13% منذ الانخفاض الأخير الذي شهده في شهر أغسطس‎، مع تزايد المخاطر بمعاودة الانخفاض مجدداً. 

أما خام غرب تكساس المتوسط فقد تلقى دفعة إيجابية إلى ما فوق مستوى 43 دولاراً، قبل أن يشهد ارتفاعاً كبيراً مدفوعاً بتقرير المخزون الأمريكي يوم الأربعاء المحفز للشراء. وقد أشارت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية في هذا التقرير إلى انخفاض مفاجئ في المخزون بقيمة تقترب من مليوني برميل في مراكز توزيع هامة للعقود الآجلة لخام غرب تكساس في كوشينغ بأوكلاهوما. وترافق ذلك مع تراجع في الواردات والإنتاج للأسبوع الثاني على التوالي، مع ارتفاع في الطلب من قبل المصافي، ما يشير إلى اتجاه لارتفاع الأسعار.

وقد كان الانطباع السائد سلبياً حيال النفط الخام، بناءً على فرضية أن التباطؤ السنوي في الطلب من قبل المصافي بين سبتمبر ونوفمبر، والذي كان متوقعاً أن يؤدي إلى فائض في المخزون. وعلى الرغم من كوننا في بداية الموسم، إلا أن البيانات الأخيرة لم تنجح في تعزيز هذا التوقع، بل على العكس تماماً، فهي تدعم وصول البرميل إلى معدل قريب من 45 دولاراً. 

من جانب آخر، لم ينجح مزيج برنت في الحفاظ على الواردات القوية لشهر أكتوبر من حوض الأطلسي الذي يشمل بحر الشمال ونيجيريا، حيث ستصل الواردات إلى السوق بالتزامن مع تراجع الطلب من قبل المصافي الأوروبية بسبب الصيانة السنوية. 

وقد أدت هذه التطورات، إلى جانب الجهود التي يبذلها المشرعون الأمريكيون لإنهاء حظر التصدير على النفط الأمريكي الذي امتد طوال السنوات الأربعين الماضية، إلى انكماش واسع قادت المزيج إلى أدنى مستوياته منذ يناير الماضي. وسيؤدي رفع حظر التصدير في حال إقراره إلى زيادة زخم المنافسة بسبب دخول النفط الأمريكي الأسواق العالمية، ما قد يؤدي إلى استعادة خام غرب تكساس المتوسط تقدمه على مزيج برنت.

ومع استعداد النفط الإيراني للعودة إلى الأسواق خلال الأشهر الستة القادمة، وتعاظم القلق حول آفاق العرض والطلب في الأسواق الناشئة، ستحافظ توقعات سوق النفط على نظرتها المتشائمة في المدى القريب. ولا يتوقع أن يخف التركيز على فرط العرض الحالي خلال الفترة القريبة القادمة، وهو ما يشير إلى احتمال تراجع الأسعار مجدداً. وعلى الرغم من تراجع الإنتاج من الدول المنتجة من خارج أوبك بما في ذلك الولايات المتحدة، إلا أن تقارير أوبك وإدارة معلومات الطاقة الأمريكية الأخيرة إلى أن آثار هذا التراجع على الأسعار لن تظهر قبل الجزء الأخير من عام 2016. 

وقد شهد معدن الفضة على وجه الخصوص والذهب أيضاً تقدماً ملحوظاً نتيجة لقرار الاحتياطي الفدرالي إبقاء أسعار الفائدة على ما هي عليه لشهر آخر على الأٌقل. وقد تمت تغطية الصفقات القصيرة المتوقعة مرة أخرى كما حدث في أغسطس عندما أدى تخفيض قيمة عملة الصين إلى تزايد الطلب على السلع البديلة مثل الذهب. ونظراً للدعم الذي حصلت عليه في وقت سابق خلال موجة المبيعات في يوليو الماضي، سيكون العامل الأساسي في تحقيق أرباح أعلى هو قدرة المعادن على كسر حاجز 1170 دولاراً الذي حققته في أغسطس.

حيث سيمثل مثل هذا التطور في حال حدوثه منظوراً تقنياً يعطي مؤشراً مبكراً أن حداً أدنى قد تحقق. وحتى ذلك الوقت، ومع تزايد حالة عدم الوضوح حول قرار الاحتياطي الفدرالي وموعده فيما يتعلق بزيادة أسعار الفائدة، فإن أي ارتفاع سيبقى محدوداً في هذه المرحلة. خصوصاً مع استمرار حالة الفتور تجاه الذهب من قبل المستثمرين النظريين مثل صناديق التحوط ومديري الأموال.

من جانب آخر، يشهد السوق الفعلي حيوية متزايدة في الطلب. حيث بلغت واردات الهند من الذهب 4.96 مليار دولار خلال شهر أغسطس، ما يمثل زيادة بقيمة 140% مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي. ويعادل هذا ما يقارب 138 طناً من الذهب أو ما يعادله خلال الأشهر الستة الماضية من سندات الصناديق المتداولة في البورصة المدعومة بالذهب. وارتفع المخزون الروسي من الذهب بقيمة مليون أونصة خلال شهر أغسطس، وهو أيضاً رقم كبير. 

من جانب آخر، حقق معدن الفضة أعلى أداء فوق مستوى 15% الأساسي، ما حفز مستويات الشراء. وتراجع المعدل مقابل الذهب (والذي يقيس سعر أونصة الذهب بأونصات الفضة) إلى 74 منذ القيمة العالية التي حققها خلال شهر أغسطس (80)، ما يمثل توفقاً في الأداء بنسبة 7.5%. وكما هو الحال بالنسبة للذهب، سيمثل الارتفاع فوق المستوى الأعلى في شهر أغسطس (بقيمة 15.67 دولاراً) حافزاً أساسياً للمزيد من الشراء التقني.