أبوظبي – مينا هيرالد:  كشف معهد  مصدر للعلوم والتكنولوجيا، الجامعة البحثية المستقلة للدراسات العليا التي تركز على تقنيات الطاقة المتقدمة والتنمية المستدامة، عن مشروع بحثي يهدف إلى تطوير مواد مغناطيسية جديدة تتسم بتكلفة منخفضة وخواص متطورة تمكنها من تحمل درجات حرارة مرتفعة لتحل محل مغانط العناصر الأرضية النادرة، باهظة الثمن، التي يتم استخدامها على نحو واسع في قطاعات صناعة السيارات والطيران والفضاء والطاقة والمجالات العسكرية.

وقالت الدكتورة بهجت اليوسف، المدير المكلف في معهد مصدر: “إن المواد الممغنطة الجديدة التي يسعى باحثو معهد مصدر إلى استكشافها مرشحة لأن تسهم في دعم الجهود الرامية إلى تطوير الجيل القادم من تقنيات الطاقة النظيفة، بما فيها توربينات الرياح؛ وأن تخدم العديد من القطاعات الاقتصادية الرئيسية كقطاعات الطيران والفضاء والدفاع، والتي تعتمد بشكل كبير على المغانط الدائمة القوية.”

ويشرف على هذا المشروع كل من الدكتور مأمون مدراج، أستاذ علوم وهندسة المواد في معهد مصدر، بالتعاون مع الدكتور أحمد مصطفى، الباحث في دراسات ما بعد الدكتوراه.

وتعليقاً منه على هذا المشروع، قال الدكتور مأمون: “يحتاج توربين الرياح حالياً إلى كمية كبيرة من مغانط العناصر الأرضية النادرة، والتي تصل إلى طن واحد لتوليد ميغاواط واحد من الطاقة الكهربائية. وانطلاقاً من هذا الواقع، يهدف مشروعنا البحثي إلى تطوير مواد مغناطيسية بديلة منخفضة التكلفة، للتمكن بالتالي من خفض تكلفة تشغيل توربينات الرياح”. وتجدر الإشارة إلى أن الدكتور مدراج.

وأوضح الدكتور مدراج أن المواد المغناطيسية التي يعملون على تطويرها ستكون زهيدة الثمن وأكثر قدرة على تحمل درجات الحرارة المرتفعة مقارنة بمغناطيس النيوديميوم الذي يعد أقوى مغانط عناصر الأرض النادرة المستخدمة حالياً، وهو ما يجعلها ملائمة للتطبيقات التي تتم ضمن شروط قاسية وتتطلب حرارة عالية كتوليد الكهرباء وصناعة السيارات، كما أنها مؤهلة للدخول إلى الحيز التجاري وأن تمثل منتجاً مهماً ومنخفض التكلفة يعود بفوائد اقتصادية على دولة الإمارات.

وفي معرض شرحه عن المشروع، أضاف الدكتور مدراج: “تكمن مشكلة مغناطيس النيوديميوم في أنه يحافظ على أداء جيد حتى مستوى 150 درجة مئوية، ليفقد قوة المغنطة عند تجاوز ذلك الحد. وقد لا تمتلك المواد المغناطيسية التي نطورها قوة المغنطة التي يتسم بها النيوديميوم، إلا أنها قادرة على تحمل درجات حرارة أعلى فضلاً عن أنها أقل تكلفة”.

وحسب تقرير نشرته مؤخراً الجمعية الملكية للكيمياء (RCS) فإنه من المتوقع أن يزيد الطلب على النيوديميوم بنسبة 700 بالمئة خلال الخمس وعشرين سنة المقبلة، في حين أن حجم المعروض مستقبلاً من هذه المادة الاستراتيجية قد لا يكون كافياً لتلبية هذا الطلب، وهو ما يدفع باتجاه البحث عن مصادر بديلة للحصول على مواد ممغنطة.

وتابع الدكتور مدراج: “يتم استخدام معادن الأرض النادرة في العديد من التطبيقات التي تتطلب مغانط دائمة وقوية كالإلكترونيات والمحركات وتوربينات الرياح وغيرها من التطبيقات ذات التقنية الفائقة. وفي الوقت الذي أصبح العالم بأسره يعتمد على هذه الأنواع المتطورة من المغناطيس، فإن الصين تستحوذ لوحدها حالياً على أكثر من 95 بالمئة من الإنتاج العالمي من عناصر الأرض النادرة. وهذا بحد ذاته يخلق خللاً ويهدد تأمين حاجة السوق من هذه المواد لأسباب وعوامل عديدة”.

وسعياً وراء تنويع مصادر المواد المغناطيسية ذات التقنية الفائقة، بدأ الدكتور مدراج العمل على تطوير مغانط ذات تقنية فائقة وأقل تكلفة ولا تعتمد على عناصر الأرض النادرة باهظة الثمن منذ أن كان في جامعة كونكورديا في كندا التي عمل فيها لمدة 13 عاماً؛ ليقوم قبل عام بنقل مشروعه البحثي إلى معهد مصدر وينجح منذ ذلك الحين في تحقيق خطوات متقدمة وسريعة على طريق استكشاف أنواع جديدة من المواد الممغنطة.

وجدير بالذكر أن التوصل إلى مركبات معدنية مغناطيسية جديدة يتطلب من العلماء إجراء تجارب يتم ضمنها دمج مجموعة واسعة من العناصر المختلفة، وهذه عملية تستغرق أعواماً نظراً لإمكانية اختبار عدد غير محدود من المواد والتركيبات. غير أن الدكتور مدراج يتبع أسلوباً بحثياً مبتكراً يختزل مدة العملية البحثية ببضعة شهور فقط، حيث أكد نجاح معهد مصدر في استكشاف مركبات معدنية مغناطيسية جديدة، والتي هي الآن في طور تصنيف خواصها المغناطيسية.

وتتسم عملية الاختبار التي يتبعها الدكتور مدراج بفعالية عالية ومردود كبير، وتتألف من شقين نظري وتحليلي. فتشمل العملية على إجراء نمذجة ديناميكية حرارية، إلى جانب العمل على دمج عنصرين أو أكثر عبر عملية انتشار ذري ينشأ عنها مجال متواصل من المركبات الجديدة المتشكلة من اتحاد العناصر وبأحجام متفاوتة. ومن ثم يجري تحليل كل مركب من هذا الطيف الواسع بواسطة مجهر خاص بكشف القوة المغناطيسية لتحديد المركبات التي تمتلك قوة مغنطة.

وإن المواد المغناطيسية الجديدة والأسلوب المبتكر المتبع في تطويرها من شأنها أن تفضي إلى تطوير تقنيات مستدامة أقل تكلفة وأكثر فعالية تسهم في دعم نمو الصناعات المعتمدة على التكنولوجيا الفائقة في دولة الإمارات.