أبوظبي – مينا هيرالد: أجرى باحثون في معهد مصدر للعلوم والتكنولوجيا، الجامعة البحثية المستقلة للدراسات العليا التي تركز على تقنيات الطاقة المتقدمة والتنمية المستدامة، أول دراسة مناخية شاملة تتناول العواصف الرملية في دولة الإمارات، وذلك بهدف جمع معلومات أكثر دقة وتكوين فهم أفضل حول طبيعة وخصائص العواصف الرملية والغبارية التي تتعرض لها الدولة وتحديد منشأها ومدى تأثيرها على المناخ، فضلاً عن الاستفادة من هذه المعلومات في تطوير نماذج مناخية أكثر ذكاءً تسهم في دعم التنمية المستدامة في الدولة.

وقالت الدكتورة بهجت اليوسف، المدير المكلّف في معهد مصدر: “يمثل إجراء أبحاث معمقة تستهدف العواصف الرملية خطوة مهمة وضرورية على طريق تطوير نماذج مناخية متقدمة تساعد الدولة على التنبؤ بالعواصف الرملية والحد من تأثيراتها السلبية على قطاعات الصحة والمواصلات والطاقة المتجددة والزراعة”.

وأضافت: “سيواصل معهد مصدر دوره الريادي في أبحاث المناخ المبتكرة، تماشياً مع التزامنا بدعم تحقيق أهداف التنمية المستدامة طويلة الأجل في الإمارات”.

ويجري هذه الدراسة كل من الدكتور شايك غوس باشا والدكتور فاني كومار ديفولابالي، الباحثان في دراسات ما بعد الدكتوراه ومركز أبحاث المياه (iWater) في معهد مصدر، بالتعاون مع الدكتور طه وردة، أستاذ هندسة المياه والبيئة ورئيس مركز أبحاث المياه، وذلك في مسعى لإيجاد إجابات مهمة حول العديد من المسائل المتعلقة بالعواصف الرملية والغبارية التي تتعرض لها دولة الإمارات، بما في ذلك تحديد منشأها ومدى تأثيرها على الحالة الجوية.

وتقع دولة الإمارات ضمن “حزام الغبار” العالمي الذي يشمل مناطق شمال أفريقيا والشرق الأوسط وجنوب آسيا والصين، والذي يستحوذ على نحو 80% من الغبار في العالم. وعلى الرغم من تأثر منطقتنا بمستويات عالية من الغبار، فإنه غالباً ما يتم إقصاء الغبار من معايير ومؤشرات النماذج المناخية المحلية. وانطلاقاً من ذلك، يسعى معهد مصدر من خلال هذا البحث إلى إحراز تقدم على هذا الصعيد وتوفير بيانات مناخية خاصة بالعواصف الرملية والغبارية ضمن خطوة ترمي للتوصل إلى نماذج مناخية متطورة تتيح التنبؤ بصورة أفضل بتلك العواصف والحد من تأثيرها على المناخ والصحة وقطاعي الطاقة والزراعة.

وقد قادت هذه الجهود البحثية حتى الآن إلى تحديد منشأين للعواصف الرملية والغبارية في الإمارات، وهما الصحراء الكبرى وصحراء الربع الخالي التي تعد أكبر صحراء رملية في العالم وتغطي معظم الثلث الجنوبي من منطقة شبه الجزيرة العربية.

وفي معرض شرحه عن هذا المشروع البحثي، قال الدكتور شايك غوس: “لقد اعتمدنا في البحث على بيانات تم جمعها بواسطة محطات رصد جوي أرضية على مدى 33 عاماً، وأخرى باستخدام نماذج مناخية، وذلك لتحديد مختلف العمليات والآليات المرتبطة بالعواصف الغبارية وتأثير هذه العواصف على عدد من العوامل كالهباء الجوي والحرارة والضباب ووضوح الرؤية. وقد تمكنا من معرفة موعد حدوث العواصف من خلال إجراء عمليات مراقبة أرضية، في حين كان بمقدورنا تحديد منشأها بالاعتماد على مجموعة من البيانات التي توفرها النماذج المناخية”.

وقد وجد الباحثون أن العواصف الغبارية تسهم في خفض درجة الحرارة عند سطح الأرض في الإمارات بمقدار 4.5 درجة مئوية وسطياً. وتبدأ العواصف الغبارية في شهر ديسمبر، ويبلع تواترها حده الأعلى ما بين شهري فبراير ومارس ليبدأ بالانخفاض تدريجياً إلى أن تتوقف في شهر أغسطس. وتدوم العاصفة الغبارية وسطياً نحو 21 ساعة، ويكون تواتر هذه العواصف أكبر في أبوظبي.

وأشار الدكتور باشا إلى أن دولة الإمارات تشهد انخفاضاً كبيراً في العواصف الغبارية التي يتراوح خلالها مدى الرؤية بين 1 و5 كلم، في مقابل حدوث زيادة معتدلة في العواصف التي يبلغ خلالها الحد الأقصى للرؤية 1 كلم.

وتترافق العواصف الرملية والغبارية مع حدوث ارتفاع هائل في مستوى الهباء الجوي، وهو عبارة عن جزيئات دقيقة من الملوثات والمخلفات العضوية التي تطلقها محطات الكهرباء والمصانع والبراكين في الغلاف الجوي، بالإضافة إلى الغبار المعدني الذي تحمله العواصف القادمة من الصحراء الكبرى وغيرها من الصحارى الكبيرة. ويعمل الدكتور باشا والدكتور ديفولابالي على تحديد أنواع مكونات الهباء الجوي الذي ينشأ أثناء هبوب العواصف الغبارية وتركيباتها الكيميائية.

وفي الوقت الذي قد يبدو فيه التأثير المباشر للعواصف الغبارية والرملية على الجانب الاقتصادي ضئيلاً مقارنة بالظواهر الجوية الكبرى الأخرى، إلا أن لها تبعات طويلة الأمد قد تؤثر بشكل كبير على مجالات الصحة والزراعة والطاقة وبالتالي على حياة الناس في المناطق التي تتعرض لها.

ويتسبب تدني جودة الهواء خلال العواصف الرملية في مواجهة صعوبات في التنفس وبالتالي تفاقم أمراض الجهاز التنفسي وارتفاع معدلات ارتياد المستشفيات. كما تؤدي هذه العواصف إلى انخفاض مستوى الرؤية على الطرقات وفي الأجواء، وإثارة التربة السطحية الحساسة في دولة الإمارات ما يضعف جودتها وقدرتها الإنتاجية فضلاً عن إلحاق الضرر بالمحاصيل الزراعية. وفي ذات السياق، يمكن أن يكون للغبار تأثير على قطاع الطاقة الشمسية، إذ يتسبب تجمع الغبار على ألواح الطاقة الشمسية الضوئية في إضعاف فعاليتها، في حين يقلل الغبار العالق في الهواء من كمية ضوء الشمس التي يتم التقاطها بواسطة تقنيات وأجهزة الطاقة الشمسية.

وفي خطوات لاحقة، سوف يعمل الباحثون على دراسة كيفية مساهمة الغبار القادم من مناطق مختلفة في تشكيل الغبار في الإمارات، والظروف الجوية التي يمكن أن تلعب دوراً في استثارة المزيد من العواصف الغبارية الشديدة.