أبوظبي – مينا هيرالد: أشارت دراسة مشتركة بين معهد بروكنجز في واشنطن ومعهد مصدر للعلوم والتكنولوجيا، الجامعة البحثية المستقلة للدراسات العليا التي تركز على تقنيات الطاقة المتقدمة والتنمية المستدامة، إلى جدوى الخطوات الأولية التي اتخذتها دولة الإمارات لإصلاح نظم دعم الطاقة القائمة.

وجاءت الدراسة تحت عنوان “إصلاح نظم دعم الطاقة – الدروس الأولية المستقاة من تجربة الإمارات العربية المتحدة”، وقام بإعدادها كل من الدكتور تيم بويرسما، الزميل والمدير بالإنابة لمبادرة أمن الطاقة والمناخ في معهد بروكنجز؛ والدكتور ستيف غريفيث، نائب الرئيس للأبحاث والأستاذ الممارس في معهد مصدر.

وقد تم نشر هذه الدراسة المشتركة بين المعهدين خلال فعالية أقيمت على هامش القمة العالمية لطاقة المستقبل، التي تعقد في إطار أسبوع أبوظبي للاستدامة 2016 في الفترة 18-21 يناير الجاري بمركز أبوظبي الوطني للمعارض. وشهدت مراسم إطلاق الدراسة حضور مسؤولين من المعهدين، إلى جانب حشد من الضيوف.

وبحسب الدراسة، فإن الإمارات قد أدخلت إصلاحات طفيفة على قطاعات الكهرباء والمياه والوقود، إلا أن الوقت ما زال مبكراً للحكم عليها، إذ يتوجب معرفة تأثيرها على المدى الطويل. ولفتت الدراسة إلى أن اعتماد هذه الإصلاحات لم يتسبب بردة فعل كبيرة على مستوى المجتمع، في حين أشارت من جانب آخر إلى أن الإصلاحات التي طبقتها دبي في عام 2011 على نظام دعم الطاقة كان لها على ما يبدو تأثيراً قصير الأمد على استهلاك الطاقة والمياه. وشددت الدراسة على إمكانية استقاء دروس هامة من تجربة دولة الإمارات حول كيفية إصلاح نظم دعم الطاقة ضمن الدول المصدرة للنفط والغاز ومجمل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وفي ضوء انخفاض العائدات النفطية التي شهدتها دولة الإمارات وغيرها من الدول المصدرة للنفط، تكتسب مسألة إصلاح نظم دعم الطاقة أهمية أكبر. فقد تراجعت أسعار النفط العالمية حالياً لتقترب من أدنى مستوياتها منذ 11 عاماً، في حين هبط سعر خام برنت إلى ما دون النصف من أكثر من 100 دولار للبرميل قبل 18 شهراً بفعل زيادة إمدادات النفط لتتجاوز مليوني برميل يومياً بحسب أرقام منظمة الدول المصدر للنفط (أوبك).

وأوضح الدكتور تيم بويرسما وجود العديد من الأسباب الوجيهة التي تجعل من دعم الطاقة أمراً غير مرغوب فيه. وقال: “صحيح أن تطبيق الإصلاحات لا يجب أن يجري بين ليلة وضحاها، غير أن الحكومة الإماراتية قد قدمت طريقة ناجحة لتطبيق السياسات الجديدة. ويعود ذلك جزئياً إلى الطبيعة الفريدة لتركيبتها الديموغرافية. ونأمل أن تتمكن القيادة الإماراتية من مواصلة جهودها في هذا السياق في الأعوام المقبلة”.

من جانبه قال الدكتور غريفيث: “لطالما كانت مسألة إصلاح نظم دعم الطاقة مثار نقاش في دول مجلس التعاون الخليجي. غير أن الإمارات قد اتخذت خطوة متقدمة بتطبيق هذا الإصلاح من خلال اعتماد نهج جيد تمثل في مشاركة المجتمع بكافة حيثيات هذه الخطوة قبل بدء مرحلة التنفيذ وتوضيح الأساس الذي يتم وفقه تسعير وقود وسائل النقل، متبعةً أفضل ممارسات الشفافية الدولية. وعلى الرغم من أن هبوط أسعار النفط العالمية قد خلق تحدياً بخصوص إيرادات الدولة، إلا أن القيادة الإماراتية قد نجحت في تحويل هذا التحدي إلى فرصة من خلال تطبيق إصلاحات في نظام دعم الطاقة ذات تأثير طفيف وقصير الأمد على المستهلك وتعود بمنافع طويلة الأمد على الدولة”.

وكانت مجلة “ذا إيكونوميست” قد أطلقت على يوم 23 يوليو 2015 الذي شهد الإعلان عن تحرير أسعار الوقود في الإمارات “يوم حاسم لأسعار الوقود في الخليج”. وتشير دراسة معهد بروكنجز-معهد مصدر إلى أن الإصلاحات نجمت عن العبء الكبير الذي يفرضه دعم الطاقة على خزينة الدولة، حيث تم تقدير إنفاق الدولة على دعم الجازولين والديزل فقط بسبعة مليارات دولار في عام 2013. وفي أغسطس 2015، أصبحت دولة الإمارات أول دولة خليجية ترفع الدعم عن وقود وسائل النقل، حيث بات يجري تحديد أسعار الوقود وفقاً لمتوسطات الأسعار العالمية ويتم الإعلان عنها في اليوم 28 من كل شهر.

ورغم تأكيد الدراسة على أهمية إصلاحات الإمارات الخاصة بدعم الكهرباء والمياه وكونها مثلت مؤشراً هاماً للسوق، إلا أنها تشير في الوقت نفسه إلى أن الأسعار ما زالت منخفضة مقارنة بالمستويات العالمية، منوهة إلى ضرورة استكمال هذه الخطوات بوضع استراتيجيات أشمل لإدارة الطلب على الطاقة تمكن من تحقيق خفض كبير في معدلات الاستهلاك، خصوصاً خلال فترات ذروة الاستهلاك. وتشيد الدراسة بالمبادرات “الملموسة” التي تقوم بها دولة الإمارات في مسعى إلى تسعير الكهرباء والمياه والوقود بناء على التكلفة ضمن دول مجلس التعاون الخليجي.

وتختم الدراسة باعتبار أن “مبادرات (إصلاح دعم الطاقة) في الإمارات تهدف إلى تحقيق الاستفادة الأمثل من الثروة النفطية، وهذا لا يتوافق مع إبقاء أسعار الوقود عند مستويات منخفضة لأجل غير مسمى”.

وتعتمد دراسة معهد بروكنجز-معهد مصدر على تحليل بيانات قطاع الطاقة الإماراتي، بالإضافة إلى البيانات الأساسية والثانوية التي تم الحصول عليها عبر إجراء مقابلات مع مجموعة واسعة من الجهات المعنية في كل من أبوظبي ودبي، بما في ذلك ممثلين عن القطاع وهيئات تشريعية وصانعي قرار وخبراء ماليين ومحللين وممثلين عن المؤسسات غير الحكومية.

وحسب المركز الوطني للإحصاء في الإمارات، بلغت مساهمة قطاع النفط والغاز في الناتج المحلي الإجمالي لدولة الإمارات 34.3% بالأسعار الجارية لعام 2014. ومع انخفاض أسعار النفط، يتوقع صندوق النقد الدولي أن تواجه دولة الإمارات بعض صعوبات في ميزانيتها. لكن في المقابل، يمثل انخفاض أسعار النفط فرصة لتعديل أسعار الوقود حسب مستويات السوق، حيث يكون تأثير ذلك أقل على المستهلك.

ويذكر أن صندوق النقد الدولي وغيره من الجهات المُراقبة في المنطقة قد دأبت لسنين على حث دول مجلس التعاون الخليجي على خفض دعمها للطاقة، وذلك لضمان استدامة الموارد المالية العامة على المدى المتوسط إلى الطويل، ناهيك عن دعم التنويع، وتصحيح سوء التوزيع والخلل في الاقتصاد. وقد اتخذت دولة الإمارات بالفعل خطوات إيجابية وبناءة في هذا الاتجاه.