الكويت – مينا هيرالد: شاركت “منظمة الخليج للاستشارات الصناعية” (جويك) في مؤتمر “وظائف الدولة المعاصرة من منظور الاقتصاد المعرفي”، الذي عُقِد تحت الرعاية السامية لسمو أمير دولة الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، لمناقشة سُبل تطوير الحكومة لوظائفها عبر أجهزتها ومؤسساتها على نحو يعزز الإنتاجية والفاعلية، وبما يُحسّن بيئة الاستثمار المعرفي، ويطور البنية المعرفية.
وقد مثلت “جويك” الدكتورة ليلى ذياب إشرير مستشارة التخطيط الإستراتيجي في المنظمة وخبيرة الاقتصاد المعرفي، وقدمت مداخلة خلال الجلسة الحوارية حول “دور البيئة الابتكارية في دعم الأنظمة المعرفية”، شرحت فيها ماهية الصناعات المعرفية ومميزاتها عن باقي الصناعات القائمة، لافتة إلى أن الفرق بينها يتطلب معرفة بطبيعة نموذج الأعمال في الصناعات التحويلية، ونموذج الأعمال الخاص بالصناعة المعرفية (business model) ، بالإضافة إلى معرفة هيكلية التجمعات الصناعية القائمة على المعرفة. ولفتت إلى أن “نموذج الأعمال في الصناعة القائمة يعتمد بشكل أساسي على اليد العاملة ورأس المال والمواد الأولية، بينما نموذج الأعمال للصناعة المعرفية يعتمد على القدرات والمهارات البشرية المطورة من خلال التعليم والتدريب، والثقافة والخبرات، كما يعتمد على التقاطع بين العلوم”. لافتة إلى أن “الصناعة المعرفية تعتمد بشكل كبير على عملية تجهيز المعلومات، والتكامل في تحويل المعلومات إلى نشاطات أخرى، بالإضافة إلى عملية توليد ونشر أنواع جديدة من المعرفة ومن المنتجات”.
وحول هيكلية التجمعات الصناعية القائمة على المعرفة، قالت المستشارة: “لدينا هرم المستوى الأول وقاعدته تشكل الأسس الاقتصادية التي تضم العناصر الخمسة الأساسية للصناعة المعرفية، وهي: أولاً: الموارد البشرية التي أحرزت دول مجلس التعاون الخليجي تقدماً كبيراً فيها من خلال توسيع نطاق التعليم الأساسي والثانوي والعالي، لكن غالباً ما يتطلب ذلك إحراز تقدم كبير في توسيع نوعية وكمية العاملين في مجال المعرفة. وثانياً: سياسة تطوير الصناعات القائمة على المعرفة، حيث تبنت دول المجلس سياسات الاقتصاد الكلي الممتازة، وتباينت أطر السياسة التجارية، لكنها بصفة عامة قوية مع وجود احتياجات معينة للتغلب على القيود، وهناك حاجة لسياسات الملكية الفكرية والاستثمار الأجنبي”.
أما العنصر الثالث فهو “رأس المال والتمويل، فالسيولة المالية متوفرة لدى معظم دول المجلس، لكن هناك حاجة لتوسيع وتمديد الهياكل التمويلية اللازمة لتطوير الصناعات القائمة على المعرفة. والعنصر الرابع هو نُظم الابتكار التي تشكل الأصول الجماعية والعمليات التي تولد وتدفع الابتكار في التطبيقات التجارية، وهناك جهود لا تزال متواضعة وتحتاج دول المجلس إلى المزيد منها”. والعنصر الخامس هو “البنية التحتية لتطوير الصناعات القائمة على المعرفة، ودول المجلس تتمتع ببنية تحتية متقدمة نسبياً، قابلة لتطوير الصناعات القائمة على المعرفة، ولكن يتعين عليها إدخال تغييرات إضافية في السياسات.
وأضافت: “أما المستوى الثاني الذي يقع وسط الهرم فهو الصناعات المساندة وذات الصلة، والتي تشمل خدمات المعلومات والخدمات الاستشارية والتسويق. بينما المستوى الثالث هو الذي تتحقق فيه التجمعات الصناعية القائمة على المعرفة، والذي يفترض أن تعمل دول المجلس للوصول إليه”.
وفي ردها على سؤال حول كيفية دخول الدول الخليجية إلى عالم الصناعات المعرفية وهي دول رعوية غير صناعية لا تمتلك ثقافة الإنتاج، قالت: إن الاقتصاد المعرفي والصناعة المعرفية تمتلك ركيزة خامسة أحياناً، تسمى الركيزة المفقودة (missing pillar)، وهي تميل إلى تسميتها بالركيزة الاجتماعية، وتتعلق بالمعايير والقيم الاجتماعية والثقافية للمجتمع، حيث إن ثقافة الإنتاج لدى الشعوب لا تزال ضعيفة، ونحتاج تعزيزها من خلال تنشئة الأطفال عليها وإدراجها ضمن المناهج الدراسية، والترويج لها من خلال وسائل الإعلام، التي تؤثر بطريقة مباشرة على أفكار الناس وقيمهم. بالإضافة إلى ضرورة التركيز على قيم اجتماعية وثقافية تعطي للعمل الإنتاجي أهمية وللعلماء قيمة ومكانة عالية في المجتمع، وأيضاً رفع الحوافز المالية للبحث والباحثين، وبذلك نستطيع أن نلج إلى الصناعة المعرفية.
وحول أسباب عزوف المستثمر الأجنبي عن الاستثمار في البيئة الخليجية وآثار ذلك على نقل المعارف والتكنولوجيا وتوطين الصناعات المعرفية، قالت: إن دول المجلس تسعى بشكل حثيث لتطوير تشريعاتها الاقتصادية بما يساهم في تشجيع جذب الاستثمار الأجنبي، مع العلم أن دول المجلس تواجه بعض الصعوبات والتحديات في مجال استقطاب الاستثمار الأجنبي، نتيجة غياب الإستراتيجيات الواضحة لجذب هذه الاستثمارات في بعض دول المجلس، ومع ذلك فإن دول المجلس ستمتلك فرصاً واعدة في كثير من الأنشطة الصناعية.
وعن أهم القطاعات الإنتاجية الصناعية بدول مجلس التعاون التي يمكن أن تكون مدخلاً للصناعات المعرفية، ذكرت أن أهم القطاعات هي: قطاع المياه (معالجة المياه)، والمملكة العربية السعودية متقدمة في هذا القطاع، وإضافات الخرسانة النانو لقطاع البناء، والتحفيز الأحيائي في صناعة البتروكيماويات والكيماويات، وتقنيات الطاقة الشمسية المعززة بالجسيمات متناهية الصغر، وأجهزة الاستشعار للتطبيقات البيئية والكيميائية، والنانوية القائمة على الزجاج الذكي لصناعة السيارات والبناء، والبوليمر الحيوي القائم على الأغذية الوظيفية، ومنتجات العناية الشخصية لمنطقة دول مجلس التعاون الخليجي. إضافة إلى المعادن ذات الاستخدام الكثيف للتكنولوجيا والمواد البلاستيكية والكيميائية والمواد المركبة والذكية، والطاقة النووية، والمبادرات في هذا المجال بدت واضحة في دولة الإمارات، أما السعودية فهي في طور عقد اتفاقيات مع شركاء عالميين في هذا المجال.
وختمت بالحديث عن دور المنظمة والإسهامات التي قدمتها في مجال الصناعة المعرفية في دول المجلس، لافتة إلى أن “جويك” بادرت عام 2005 لإعداد دراسة بالتعاون مع شركة SRI حول جاهزية دول المجلس للانتقال للصناعات المعرفية، من خلال تشخيص وضع الدول ونقاط القوة ونقاط الضعف. وفي يناير 2012 نظمت المنظمة مؤتمر الصناعيين الخليجيين الثالث عشر حول الصناعة المعرفية والتقنيات الحديثة، والذي كان له الأثر في إحداث توعية حول أهمية الصناعة المعرفية ومتطلباتها وكيفية الولوج إليها. وبعد هذا المؤتمر توالت طلبات الدول الأعضاء على المنظمة لإعداد دراسات في مجال الصناعة المعرفية. كما تقوم المنظمة بتقييم سنوي تشخص فيه الأوضاع الراهنة للصناعة المعرفية لدول المجلس، وتقييم مدى جاهزيتها للانتقال للصناعة المعرفية وفق مؤشرات دولية عالمية، ويرفع التقرير السنوي لأعضاء مجلس المنظمة. وقد أنجزت المنظمة في سبتمبر 2015 دراسة للصناعة المعرفية لمملكة البحرين بالتعاون مع البنك الدولي، وعرضت نتائجها والفرص الصناعية في نوفمبر 2015 خلال منتدى “استثمر في البحرين”، كما أن المنظمة بصدد إعداد دراسة لدولة الكويت في المجال نفسه.