أبوظبي – مينا هيرالد: شكل تدشين صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، في السابع عشر من مارس 2013، محطة شمس 1 للطاقة الشمسية المركزة، والتي كانت في وقتها أكبر محطة عاملة في العالم وماتزال الأولى من نوعها في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أحد النجاحات الاستراتيجية المهمة لدولة الإمارات، ومعلم هام يؤكد على دخول الدولة عصر الطاقة المتجددة من أوسع أبوابه.
وجاء مشروع محطة شمس1 للطاقة الشمسية المركزة، التي تم تصميمها وتطويرها من قبل شركة “شمس للطاقة” المشروع المشترك بين مصدر، مبادرة أبوظبي متعددة الأوجه للطاقة المتجددة / 80 / في المائة وتوتال / 20 / في المائة. ليعزز من جهود الإمارات الرامية إلى تنويع مصادر الطاقة اللازمة لتلبية الطلب المتزايد عليها والمقترن بالنهضة والتنمية الشاملة التي تشهدها الدولة في كافة المجالات، حيث يهدف هذا التنويع بين الوقود التقليدي، والطاقة النووية السلمية، والطاقة المتجددة، خاصة الشمسية التي تعتبر أكبر مصدر للطاقة المتجددة توفراً في الدولة، إلى تعزيز أمن الطاقة وهي حاجة أساسية كونها تشكل عصب الحياة والتنمية لأي مجتمع كان.
كما يساهم الحصول على الطاقة من مصادر جديدة كالطاقة الشمسية بشكل كبير في إطالة أمد احتياطات النفط والغاز لتستفيد منها الأجيال القادمة وتنعم بالرفاهية، بالإضافة إلى الحد من التأثير الناتج عن تقلبات أسعار المشتقات النفطية، فضلاً عن ذلك، يساهم الاستثمار في مشروع مثل مشروع شمس للطاقة في تحقيق النمو الاقتصادي في قطاعات جديدة، وخلق فرص عمل في مجالات تقنية تعزز رؤية دولة الإمارات في تحويل اقتصادها إلى اقتصاد قائم على المعرفة.
وبمناسبة مرور ثلاث سنوات على تشغيل محطة شمس1 قال عبدالعزيز العبيدلي، المدير العام لشركة شمس للطاقة، القائمة على المحطة: ” كانت السنوات الأولى لتشغيل محطة شمس1 للطاقة الشمسية المركزة مسطرة بالنجاحات المتتالية التي جعلت منها إحدى المحطات الأكثر كفاءة عالمياً في مجالات الانتاج، والصيانة، والأمن والسلامة، ولاشك أن ذلك يعود إلى عوامل كثيرة من أهمها الدعم اللامحدود الذي قدمته حكومة إمارة أبوظبي من خلال مؤسساتها التنفيذية والإشرافية، بالإضافة إلى الدعم التقني من المساهمين في المشروع مثل شركة “مصدر” وشركة توتال، وأخيراً الحرفية والكفاءة العالية من فريق العمل المشرف على تشغيل المحطة”.
ومما يضفي صفة فريدة على محطة شمس1، كونها الأولى من نوعها التي تم بنائها وتشغيلها في قلب الصحراء، لتواجه بذلك تحديات الطقس القاسي والجاف التي يصعب التنبؤ بها، فصحراء شبه الجزيرة العربية المعروفة بصحراء الربع الخالي، وخاصة إذا ما اشتد الحر في شهور الصيف، تقوم بإرسال عواصف رملية محملة بالأتربة والغبار باتجاه الشمال مارة في طريقها بمحطة شمس 1، ومثل هذا الغبار العالق في الطبقات السفلى للغلاف الجوي إلى جانب كونه يقلل من كثافة تدفق الإشعاع الشمسي إلى حد كبير، فإنه عادة ما يستقر على سطوح المرايا العاكسة مسبباً نقصاً في درجات الانعكاس وبالتالي نقصاً في معدلات انتاج الطاقة الكهربائية، بالإضافة إلى أن مثل هذه العواصف الرملية شديدة السرعة قد تتسبب في تحطيم المرايا والقواعد المثبتة لها إذا لم يتم اتخاذ اجراءات حماية مناسبة.
وبين العبيدلي إنه وللتغلب على هذا التحدي، تم تصميم محطة شمس 1 للطاقة لتكون المحطة الوحيدة في العالم المحاطة بجدار كاسر للرياح ارتفاعه 7 أمتار حيث يساهم هذا الجدار في كسر شدة الرياح وتخفيف سرعتها قبل اصطدامها بالمرايا العاكسة وأيضاً يقف مانعاً تجاه زحف الرمال المستمر، وقد مرت على محطة شمس 1 للطاقة عواصف رملية فاقت سرعة الرياح فيها الـ 120 كم/ساعة، واستطاعت المحطة مقاومة مثل هذه العواصف بخسائر لا تذكر حيث لا تتعدى الـ 0.004 بالمئة.
وبالإضافة إلى الجدار فقد طور مهندسو المشروع آليات تنظيف متطورة تساهم في تنظيف المحطة بشكل آلي وبتدخل بشري غير مذكور، وقد أثبتت هذه الآليات فعاليتها في تحقيق مستويات عالية للتنظيف وضمان انعكاس الضوء من صفوف المرايا بكميات كبيرة.
ومن التحديات الأخرى التي تمكنت شمس1 من تجاوزها بكفاءة عالية شح المياه، فجميع محطات الكهرباء التقليدية والشمسية منها تحتاج إلى تكثيف البخار الخارج من التوربين الموصول بالمولد الكهربائي، ولذا عادة ما تبنى مثل هذه المحطات بجانب بحيرات وأنهار أو على الشريط الساحلي كما هو الحال في معظم محطات الدولة، حيث تستخدم المياه الحلوة أو المالحة لتوفير التبريد اللازم لتكثيف البخار في مكثفات توصف بأنها رطبة، لكن مثل هذه المكثفات الرطبة تستخدم كميات هائلة من المياه مما يجعلها غير مجدية للاستخدام في المحطات التي تبنى في قلب الصحراء بعيداً عن مصادر المياه كما هو الحال في محطة شمس1. وحول كيفية تجاوز هذا التحدي قال العبيديلي:” للتغلب على شح المياه كان لابد من الإتيان بحل مبتكر، وهنا تم اتخاذ القرار باستخدام مبردات هوائية للمرة الأولى في محطة تعمل بالطاقة الشمسية، وساهم هذا القرار في الحيلولة دون استهلاك ما يقارب 200 مليون جالون من الماء بشكل سنوي”.
نتائج مميزة
إلى جانب تجاوزها لمعظم التحديات التي فرضتها الظروف المناخية حققت محطة شمس1 للطاقة الشمسية المركزة نتائج مميزة على مدار سنوات عملها الثلاث، فعلى صعيد انتاج الكهرباء والتي يتم تزويدها إلى الشبكة العامة للكهرباء في إمارة أبوظبي من خلال محطة فرعية في مدينة زايد في المنطقة الغربية، فقد أنتجت المحطة في العام 2015 على سبيل المثال 216 جيجاواط ساعي من الكهرباء النظيفة والتي تكفي لتزويد 20 ألف منزل في أبوظبي باحتياجاتها الشاملة للكهرباء على مدار العام، بالإضافة إلى ذلك فإن محطة شمس1 ساهمت خلال العام الماضي في الحيلولة دون اطلاق 175 ألف طن من غاز ثاني أكسيد الكربون (ما يساوي زرع مليون ونصف المليون شجرة أو إزاحة 20 ألف مركبة من الطرقات) والذي يعتبر أحد الغازات الرئيسة المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري، مؤكدةً بذلك على مصداقية الجهود التي تبذلها دولة الامارات للمساهمة بالالتزام العالمي للحد من تداعيات التغير المناخي.
وبفضل تكثيف عمليات التنظيف خلال أشهر الصيف التي عادة ما ينخفض خلالها الانتاج الشهري لكل من شهري يونيو ويوليو وذلك بسبب شدة الرياح وشدة تركيز الغبار، تمكن المشرفين على المحطة من الحد من آثار الرياح والغبار.
ومن أهم عمليات الصيانة التي يجدر الإشارة لنتائجها هي عمليات تنظيف الحقل الشمسي، حيث يعتبر تنظيف المرايا أحد أهم التحديات الرئيسية وذلك بسبب الكثبان الرملية الصحراوية المحيطة بها، والكثافة العالية للغبار في الغلاف الجوي، ولذلك تقوم آليات التنظيف التي تم تصميمها خصيصاً للمشروع بتنظيف الحقل الشمسي على الأقل مرة في الأسبوع وذلك عن طريق العمل في دوريات مسائية.
ولقد أثمرت هذه الجهود في ابقاء سطوح المرايا العاكسة نظيفة وحققت معدلات تنظيف تتعدى في متوسطها الـ 95% أي تفوق المعدلات التي تم افتراضها خلال مرحلة تطوير المشروع.
أما على صعيد الأمن والسلامة فقد حققت محطة شمس للطاقة معدلات قياسية مقارنة مع محطات شبيهة خارج الدولة، حيث لم يتم تسجيل أي إصابة تستدعي التغيب عن العمل، ويعزى ذلك إلى فاعلية برنامج الأمن والسلامة والبيئة الذي تم تبنيه من خلال إدارة شركة شمس للطاقة، بالاضافة إلى التعاون المستمر للشركة مع المؤسسات المحلية المعنية بالأمن والسلامة وإدارة الكوارث مثل إدارة الدفاع المدني بالمنطقة الغربية، حيث تقوم الشركة بالتعاون مع إدارة الدفاع المدني من خلال إجراء تمارين وهمية لقياس جاهزية الفريقين للاستجابة لأي طوارئ محتملة الحدوث في المحطة، وكذلك عن طريق ورش العمل المشتركة لتبادل الخبرات في مجال الأمن والسلامة والاستجابة للطوارئ.
60% من موظفي الإدارة العليا مواطنين
ويعمل في شركة شمس للطاقة ما يقارب الـ 90 شخص معظمهم مقيمين في المنطقة الغربية، ويشغل المواطنون ما نسبته 60% من وظائف الإدارة العليا كمدير التشغيل، ومدير الأمن والسلامة، ومهندسي التحكم والتشغيل، وتسعى إدارة المحطة لاستقطاب المواهب الإماراتية في المنطقة الغربية عن طريق التعاون مع الجامعات المحلية.
شمس1 نموذج يحتذى به في المنطقة
ولاشك أن هذه الخبرة في تشغيل المحطة خلال السنوات السابقة والمسيرة المكللة بالنجاح صنعت من شمس نموذجاً يحتذى به من قبل مطوري المشاريع في دول المنطقة، فقد شهد قطاع الطاقة سباقاً بين الدول في تنفيذ مشاريع الطاقة الشمسية، فهناك اليوم محطات شبيهة لمحطة شمس 1 للطاقة الشمسية قيد الإنشاء في كل من الكويت والمغرب، ويتوقع أن تخطو قريبا كل من مصر والأردن والمملكة العربية السعودية وغيرها من دول الخليج خطوات مماثلة، خاصة مع تطور التكنولوجيا وتوفر حلول لتخزين الحرارة من أجل مواصلة توليد انتاج الطاقة الكهربائية حتى بعد غروب الشمس، أضف إلى ذلك انتعاش سوق الطاقة الشمسية الذي أسهم في زيادة عدد المقاولين والمصنعين لتقنيات الطاقة الشمسية.
ولم يقتصر دور محطة شمس 1 للطاقة الشمسية على انتاج الكهرباء النظيفة، وإنما تعدى ذلك إلى تعزيز مكانة دولة الإمارات كرائد في مجال الاستدامة والطاقة المتجددة وذلك من خلال الزيارات التي يتم تنظيمها للمحطة والتي تنوعت في طبيعتها من زيارات عملية لطلبة رياض الأطفال والمدارس إلى زيارات دبلوماسية كان من أهما زيارة فخامة أولافور راجنار جريمسون رئيس جمهورية أيسلندا رئيس لجنة تحكيم جائزة زايد لطاقة المستقبل وعدداً من أعضاء اللجنة فضلاً عن زيارة الأمين العام للأمم المتحدة، معالي بان كي مون، والوفد المرافق له. ويقدر عدد الوفود الذين يقومون بزيارة المحطة بـ 170 وفد سنوياً.

دور مجتمعي استراتيجي
ونظراً إلى أهمية المشروع الاستراتيجية كأحد المشاريع التقنية في الدولة، وإيماناً من شركة شمس للطاقة بمسؤوليتها المجتمعية تجاه المنطقة الغربية لإمارة أبوظبي، حرصت الشركة على دمج المؤسسات المحلية وخاصة التعليمية منها في هذا المشروع الاستراتيجي، حيث تقوم الشركة بعمل ورش العمل التثقيفية لطلاب المدارس والجامعات المحلية عن طرق الاستفادة من الطاقة الشمسية، بالإضافة إلى توفير فرص تدريب لطلاب المعاهد والجامعات، وتزويدهم بأفكار لمشاريع بحثية تساهم في سد الفجوة بين المؤسسات التعليمية والصناعية، وتساهم كذلك في تخريج مهندسين وعاملين واعين باحتياجات سوق العمل.
آلية عمل المحطة ومميزاتها
وتعمل محطة شمس1 للطاقة الشمسية بمبدأ تركيز الإشعاع الشمسي المباشر باستخدام أحواض القطع المكافئ العاكسة، حيث تعمل صفوف من المرايا على تركيز أشعة الشمس في أنبوب مركزي يتم من خلاله تسخين الزيت الناقل للحرارة، وتدور الأنابيب المركزية بطول 130 كم في حلقات مغلقة مخصصة لنقل الزيت (أحد مشقات النفط القادرة على امتصاص الحرارة بكفاءة عالية) الذي تم تسخينه عن طريق أشعة الشمس المركزة.
ويتم في مرحلة لاحقة نقل الحرارة التي اكتسبها الزيت عن طريق تركيز الإشعاع الشمسي إلى الماء وذلك في مبادلات حرارية يتم من خلالها توليد البخار الذي تصل درجة حرارته إلى 380 درجة مئوية، ومن ثم يتم رفع درجة حرارة البخار إلى 540 درجة مئوية داخل المعززات الحرارية التي تم تصميمها خصيصاً لتعزيز كفاءة التوربين البخاري الذي يحرك مولداً بقوة 100 ميجاواط، وأخيراً يتم العمل على تكثيف البخار الخارج من التوربين في المبرد الهوائي وتضخ المياه المكثفة إلى المبادل الحراري مرة أخرى.
المساهمة في ترسيخ مكانة الدولة المتقدمة في قطاع الطاقة
يشار إلى أن مشروع محطة شمس1 للطاقة الشمسية المركزة وغيرها من المشاريع التي يتم تطوريها أو تنفيذها حالياً عن طريق شركة “مصدر” في الإمارات وخارجها، تسهم بشكل كبير في ترسيخ مكانة دولة الإمارات كونها رائدة وداعمة رئيسية للجهود الدولية للحد من آثار التغير المناخي، وتؤكد كذلك على أن دولة الامارات ستبقى لعقود وقرون قادمة مصدرة لتقنيات الطاقة النظيفة إلى جانب كونها واحدة من أكبر الدول المصدرة للطاقة التقليدية في العالم.