أبوظبي – مينا هيرالد: كشف باحثون في معهد مصدر للعلوم والتكنولوجيا، الجامعة البحثية المستقلة للدراسات العليا التي تركز على تقنيات الطاقة المتقدمة والتنمية المستدامة، عن نجاحهم في استخدام الطباعة ثلاثية الإبعاد لتصميم “مُركبات رغوية” تجمع بين القوة وخفة الوزن الفائقة، ويمكن أن تساعد في تصنيع هياكل سيارات أكثر صلابة وأخف وزناً، وكذلك المساهمة في تعزيز العمليات التشغيلية في مجالات النفط والغاز والمياه.

ومن خلال هذا المشروع البحثي، سيكون بالإمكان إجراء عمليات طباعة ثلاثية الأبعاد تجمع المُركبات الرغوية الجديدة مع مواد متنوعة كالمعادن والبلاستيك والسيراميك والمواد المركبة، وذلك في مسعى لتعزيز الخصائص الحرارية والكيميائية والميكانيكية لطيف واسع من النظم الهندسية، نذكر منها على سبيل المثال أجزاء ومكونات هياكل الطائرات والمركبات. فالمجال مفتوح لاستخدام هذه المركبات المتطورة في المجالات التي تتطلب مواد تتسم بالصلابة الفائقة وخفة الوزن والتوصيل الممتاز كقطاعات الدفاع والطيران؛ أو الاستفادة منها في تطبيقات تتطلب مواد فائقة التوصيل أو ذات بنية مسامية كقطاعات الطاقة والمياه والطب.

وقال الدكتور ستيف غريفيث، نائب الرئيس للأبحاث في معهد مصدر: “تنطوي المُركبات الرغوية على إمكانيات تؤهلها لتكون بمثابة حل تقني يسهم في دفع عجلة الابتكار في القطاعات والأسواق الرئيسية. ويعكس هذا البحث مدى أهمية أبحاث المواد المتقدمة التي يجريها معهد مصدر ومساهمتها في تطوير ابتكارات تقنية نوعية في مجالات المياه والطاقة وغيرها من المجالات التي يركز عليها المعهد مصدر وتكتسب أهمية كبيرة بالنسبة إلى دولة الإمارات”.

ويقود هذا المشروع البحثي المشترك الدكتور راشد أبو الروب، أستاذ مشارك في الهندسة الميكانيكية وهندسة المواد في معهد مصدر، وذلك من خلال تطوير نموذج حوسبي قادر على تقديم آلاف التصاميم من المُركبات الرغوية. وقد تم نشر مقالات عن المشروع في مجلات علمية متخصصة، منها مجلة ” Composites Science and Technology”، كما تم إيداع طلب براءة اختراع تمهيدي عن هذه المُركبات الرغوية لدى “مكتب براءات الاختراع والعلامات التجارية الأمريكي”، بينما يجري التحضير لإيداع طلبات براءة اختراع تمهيدية أخرى حول توظيف هذه التقنية الفريدة في مجموعة من التطبيقات الهندسية.

وفي هذا الصدد، قال الدكتور أبو الروب: “تعود قوة المُركبات الرغوية وخفة وزنها بشكل أساسي إلى طبيعة هندستها الداخلية، أو ما نشير إليه بتصميم البنية الداخلية”.

يذكر أن برج ايفل تكمن قوته من طريقة تصميم شبكة القضبان والدعامات الحديدية التي تحفظ توازنها في الهواء، وتعود قوة هذه المركبات الخلوية إلى التصميم الهندسي الفراغي لبنيتها الداخلية التي تبلغ نسبة الهواء فيها أكثر من 90%.

وأضاف الدكتور أبو الروب: “إننا لا نطور مواد جديدة بقدر ما نعيد صياغة هندسة بعض المواد كالحديد أو البلاستيك، حيث نقوم بإدخال تعديلات على بنيتها الداخلية للوصول إلى الخصائص المنشودة، سواء كانت الصلابة أو التوصيل الكهربائي أو البنية المسامية”.

وبإمكان النموذج الحوسبي الذي تم تطويره في إطار هذا المشروع تصميم آلاف المُركبات الرغوية التي تتيح للباحثين الباحثون اختيار الميزات المطلوبة، مثل الخصائص الحرارية والكهربائية المعززة، وخفة الوزن والصلابة. وعند إنجاز التصميم المنشود للمركب الرغوي، يجري تصنيعه بالطباعة ثلاثية الأبعاد.

ويمكن الاستفادة من المُركبات الرغوية كمواد ثلاثية الأبعاد تسهم في تدعيم مواد صلبة أخرى وتعزيز خصائصها، أو استخدامها كمواد مستقلة بحد ذاتها.

ويتواصل باحثو معهد مصدر مع عدد من الشركات لتأمين التمويل اللازم لإثبات جدوى البحث وتسريع عملية تسويق هذه المركبات الرغوية المبتكرة.

وتمثل البنية المسامية إحدى الخصائص التي يمكن التوصل إليها بواسطة هذا النموذج. وتتيح هذه الخاصية إمكانية ضبط تدفق الغازات والسوائل، والتي تعتبر من الجوانب المهمة في عمليات النفط والغاز وتحلية مياه البحر وكذلك في مجال نظم معالجة المياه العادمة وكذلك في أجهزة تحويل الغازات العادمة في السيارات.

وأوضح عُريب الخيطان، طالب دكتوراه يدرس تحت إشراف الدكتور أبو الروب، أنه يمكن استخدام المُركبات الرغوية في الحد من تدفق الغازات، وزيادة فعاليات المحولات المحفّزة للحد من انبعاثات الغازات التي تطلقها محركات السيارات.

ويشكل إنتاج هذه المركبات الرغوية بطرق التصنيع التقليدية تحدياً بحد ذاته، وذلك نظراً للتعقيد الشديد الذي يتسم به تصميمها. لكن بفضل التقدم الحاصل في مجال الطباعة ثلاثية الأبعاد، التي تقوم بوضع طبقات متتالية من مادة ما فوق بعضها البعض، يمكن طباعة المركبات الرغوية بأحجام صغيرة للغاية، مثل أن يتم تشكيلها على مستوى النانو الذي يُعد أرفع من شعرة الرأس بمئات آلاف المرات، أو على مستوى المايكرو الذي يقاس بالميليميتر. وكانت للدكتور ريزا روشان، مدير قسم عمليات منصات التكنولوجيا الأساسية في جامعة نيويورك أبوظبي، مساهمة قيمة في المشروع، تمثلت في المساعدة على تحسين قابلية تصنيع مُركبات رغوية معدنية بالطباعة ثلاثية الأبعاد وتعزيز أدائها.

وتابع الدكتور أبو الروب: “لقد حققنا نقلة نوعية على مستوى تصميم المواد. فبدل أن يجري تصميم المواد انطلاقاً من طبيعة بنيتها وتركيبتها الكيمائية وخصائصها الأخرى ذات الصلة كما هو الحال حالياً، تتمحور رؤيتنا حول التركيز بادئ الأمر على تحديد خصائص المادة اللازمة للتوصل إلى منتج معين، ومن ثم نقوم وفق أساليب التصميم التي طورناها بتعديل بنية المادة وتصميمها الفراغي الداخلي للحصول على الخصائص المرغوبة”.

وكخطوة تالية لتطوير هذا الابتكار الواعد، يسعى الدكتور أبو الروب إلى التعاون مع شركاء القطاع لاكتشاف إمكانية توظيف هذه المُركبات الرغوية المصنوعة وفق الطباعة ثلاثية الأبعاد في تطبيقات تخدم عدد من القطاعات الرئيسية في دولة الإمارات.