أبوظبي – مينا هيرالد: كشف معهد مصدر للعلوم والتكنولوجيا، الجامعة البحثية المستقلة للدراسات العليا التي تركز على تقنيات الطاقة المتقدمة والتنمية المستدامة، عن مشروعه المبتكر “المساجد الذكية” والذي يتمحور حول استخدام تقنيات استشعار متقدمة وبرمجيات متطورة تهدف إلى توفير استهلاك الطاقة في المساجد على نحو كبير وتحويلها إلى منشآت ذكية.

ويتعاون معهد مصدر مع الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف في دولة الإمارات على تركيب واختبار تقنية الاستشعار الذكي في عدد من مساجد الدولة. ويجري حالياً اختبار التقنية بشكل كامل في اثنين من مساجد أبوظبي، وهما مسجد الفتح ومسجد الحق.

وقالت فتيحة البرقي، رئيس شعبة خدمات المساجد في هيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف: “نتوقع أن تسهم التقنية الذكية التي طوّرها معهد مصدر في خفض استهلاك الطاقة ضمن المساجد، والمساعدة أيضاً في عملية إدارتها”.
وتكمن التحديات في الحد من استهلاك الطاقة ضمن المساجد إلى كونها تستقبل المصلين بشكل يومي، حيث تزدحم المساجد خلال أوقات الصلوات الخمس في حين تبقى شبه فارغة في الفترات الفاصلة فيما بينها. ونظراً لهذا التفاوت في فترات الازدحام، بالإضافة إلى تصميمها المفتوح، تحتاج المساجد إلى تقنيات استشعار تتلاءم مع مواصفاتها الخاصة والتي تجعلها مختلفة عن أي من المباني الأخرى.

وقال الدكتور طلال رهوان، أستاذ مساعد في برنامج ماجستير علوم الحوسبة والمعلومات في معهد مصدر: “تنحصر مسألة تكييف الهواء ضمن المساجد في خيارين فقط؛ يتمثل أولهما في تشغيل مكيفات الهواء على مدار اليوم حتى عند فراغ المسجد من المصلين، في حين يركز الثاني على رفع درجة التكييف عند عدم وجود مصلين، وخفضها عند ازدحام المسجد بالمصلين. غير أن مشكلة الخيار الأخير هي أن تبريد كامل المسجد يستغرق وقتاً، فيبقى المسجد خلال هذه الفترة حاراً وغير مريح للمصلين. وريثما يتم تبريد المسجد بالشكل الأمثل، يكون المصلون على وشك مغادرته. وعلاوة على ذلك، فإن زيادة درجة التبريد إلى مستويات عالية هي عملية غير فعالة وتتطلب الكثير من الطاقة”. ويشرف على هذا المشروع المبتكر كل من الدكتور رهوان والدكتور سيد تشي كين تشاو، أستاذ مساعد في برنامج ماجستير علوم الحوسبة والمعلومات في معهد مصدر.

وتشمل التقنية الجديد على أجهزة استشعار ذكية يتم توزيعها في أرجاء المسجد وبرمجيات تقوم بتحليل مقاطع فيديو صادرة عن أجهزة الاستشعار لتحديد الأوقات التي يمتلئ فيها المسجد بالمصلين. وبناء على ذلك، تجري برمجة أجهزة التكييف بحيث تعمل على تبريد المكان بشكل طبيعي دون اللجوء إلى التبريد السريع الذي يستهلك الكثير من الطاقة، ومن ثم البدء بإيقاف أجهزة التكييف في الوقت المتوقع لمغادرة المصلين، ما يسهم في الحد من استهلاك الطاقة. وهكذا، يمكن تحويل المساجد إلى مبانٍ ذكية عبر تزويدها بتقنيات تتيح إمكانية التنبؤ بفترات ازدحام المصلين.

وتتميز هذه التقنية الذكية بكونها متكاملة ومنخفضة التكلفة وقابلة للتعديل، حيث تضم أجهزة استشعار مزودة ببرمجيات تقوم بعمليات معالجة متقدمة للبيانات ضمن الموقع، وبالتالي ليس هناك حاجة إلى توفير اتصال واسع النطاق لنقل كافة هذه البيانات إلى المخدّم الرئيسي.

وشهد هذا المشروع البحثي مشاركة سارة بامطرف، الطالبة الإماراتية في برنامج ماجستير علوم الحوسبة والمعلومات في معهد مصدر، حيث قامت بتطوير نظام محاكاة ثلاثي الأبعاد للمساجد لاختبار وتعديل نظم الاستشعار حسب الظروف المناخية المختلفة وفترات إشغال المسجد المتفاوتة.

ويذكر أن أجهزة تكييف الهواء تستحوذ على نحو 70% من استهلاك دولة الإمارات من الكهرباء. لذلك، فإن أي جهود رامية إلى التقليل من استخدام أجهزة التكييف سوف يسهم بالمقابل في خفض استهلاك الطاقة، وكذلك الحد من الانبعاثات الكربونية الضارة الصادرة عن محطات توليد الكهرباء.
ويركز باحثو معهد مصدر حالياً على توظيف أجهزة الاستشعار الذكية في مجال التحكم بتكييف الهواء، ويؤكدون في الوقت نفسه على إمكانية استخدامها على نطاق أوسع لتشمل تطبيقات أخرى. وهناك خطط مستقبلية لتعديل هذه التقنية والاستفادة منها في الكشف عن أجهزة التكييف المتعطلة، ومراقبة استهلاك المياه، وكذلك الكشف عن التسرّب ضمن أنابيب المياه.

وفي هذا الصدد، قال الدكتور تشاو: “بإمكاننا توسيع نطاق وظائف التقنية الذكية الجديدة، إذ بمقدورنا تعديلها بحيث تقوم بمهام استشعار متعددة تساعد في بناء مساجد مستدامة وذات كفاءة عالية في استهلاك الطاقة”.

ويمكن الاستفادة من البيانات الصادرة عن نظم الاستشعار في مجموعة واسعة من التطبيقات، تتجاوز مجرد خفض استهلاك الطاقة والانبعاثات الكربونية. فعلى سبيل المثال، سوف تعمل سارة على استخدام بيانات أجهزة الاستشعار ضمن المساجد في تطوير تطبيق للهاتف الجوال يظهر معدلات الإشغال في كل مسجد، الأمر الذي يساعد المصلين على تجنب الذهاب إلى المساجد المزدحمة، خصوصاً خلال صلاة الجمعة.

وأوضح الباحثون أن تقنية الاستشعار الذكية ستكون بمثابة حل مثالي للمساجد في دولة الإمارات، فضلاً عن كونها أكثر كفاءة وأقل تكلفة من التقنيات الرائجة المتوفرة حالياً في السوق، وأنهم يأملون اعتمادها والاستفادة منها في كافة مساجد الدولة.