بقلم كريستوفر ديمبك، رئيس استراتيجيات الإقتصاد الماكرو، ساكسو
لمحة عالمية: المخاطر السياسية المتنامية
على الرغم من المنحى التصاعدي للمخاطر، تشهد أوساط المستثمرين حالةً من الارتياح. ويقبع مؤشر المخاطر الشاملة الصادر عن ’سيتي بنك‘، الذي يستخدم مجموعة من المقاييس لقياس معدلات العزوف عن المخاطر، عند 2.24% ويشير بالتالي إلى عدم قلق المستثمرين إزاء المستقبل. ويمكن ملاحظة ذات النظرة التفاؤلية بالنسبة للأسواق الناشئة: سجل مؤشر ’باركليز‘ لمخاطر العملات الأجنبية في الأسواق الناشئة مؤخراً أدنى مستوىً له منذ بداية العام. وبات من الواضح أن المستثمرين لم يقوموا بتقييم المخاطر بالشكل الصحيح. ومن غير المرجح أن تستمر الفجوة الكامنة بين تصور المستثمرين والواقع الاقتصادي لوقت طويل؛ وستكون العودة إلى الواقع مؤلمة.
ويمكن أن يتمثل أحد المسببات المحتملة لهذا الأمر بزيادة كبيرة في المخاطر السياسية خلال الأسابيع القادمة؛ حيث سيتم إجراء ستة انتخابات واستفتاءات رئيسية خلال الفترة الواقعة بين 26 و8 نوفمبر في أوروبا والولايات المتحدة. ويمكن أن يفضي الاستفتاء الإيطالي إلى استقالة رئيس الوزراء ماتيو رينزي وفتح صفحة جديدة لحالة عدم الاستقرار السياسي في البلاد في أسوأ توقيت ممكن مع استمرار مشكلة القطاع المصرفي. وعلاوةً على ذلك، يمكن أن يؤكد الاستفتاء على نظام حصص المهاجرين في المجر على التصاعد المتواصل لوتيرة النزعة الشعبوية في أوروبا، ويشكل انتكاسةً جديدةً للاتحاد الأوروبي بعد بضعة أشهر من البريكسيت. وفي الواقع، يمتلك كل واحد من هذه الأحداث تأثيراً صغيراً للغاية بحد ذاته، ولكن يمكن أن يحمل تراكم المخاطر خلال فترة زمنية قصيرة للغاية أثراً سلبياً على الأسواق المالية وزيادةً في حجم أزمة الثقة في أوروبا. واعتباراً من شهر سبتمبر، لن يمتلك المستثمرون الوقت الكافي لالتقاط أنفاسهم؛ حيث أن المخاطر السياسية تتصدر جدول الأعمال.
وبالنظر إلى الجانب المشرق للأمور، لاتزال البنوك المركزية تمتلك في جعبتها العديد من الوسائل لتهدئة السوق على المدى القصير والمتوسط. وبالإضافة على ذلك، كانت الإجراءات التي اتخذتها حاسمةً إلى حد كبير في إطار تجنب حالة الذعر المالي في أعقاب استفتاء خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي. وبالرغم من ذلك، تتحرك القدرة الكلية للبنك المركزي نحو مزيد من الانحسار ويمكن أن تكون مخاطر جهة التخطيط المركزية أكبر من أي وقت مضى خلال الأشهر القادمة، مع تبقي القليل من الأدوات وتجمد بعض الحكومات الرئيسية بسبب الانتخابات كحكومة الولايات المتحدة. وكان التقرير السنوي الأخير الصادر عن ’بنك التسويات الدولية‘ واضحاً للغاية فيما يخص هذا الموضوع: نحن محكومون بحدود سياسة البنك المركزي بسبب تناقص العائدات وارتفاع مخاطر فقاعات المضاربة. وبالرغم من إجراء أكثر من 660 عملية خفض لأسعار الفائدة حول العالم منذ انهيار بنك ’ليمان‘، لا يزال النمو ضعيفاً. ولا يمتلك محافظو البنوك المركزية أي أفكار دقيقة حول الخطوة التالية، ولكن لا يبدو أن السوق تشهد أي حالة من القلق حيال هذا الأمر في الوقت الراهن.
وفيما يخص هذا الموضوع، سيركز المستثمرون خلال الشهر الحالي على خطاب جانيت يلين بمناسبة ندوة السياسة الاقتصادية في جاكسون هول بولاية وايومينج، والتي ستنعقد بين 25 و27 أغسطس. ومع ذلك، لا يمكننا أن نتوقع الكثير؛ حيث أن أي معلومات مباشرة حول توقيت رفع سعر الفائدة القادم ستكون نادرةً للغاية. كما أن المخاطر قصيرة الأمد- ولاسيما تلك المرتبطة بالبريكسيت- آخذة بالانحسار، إلا أن التوقعات المستقبلية للاقتصاد الأمريكي لاتزال متضاربة. ويتبع سوق العمل والإنفاق الاستهلاكي منحىً ايجابياً، إلا أن الناتج المحلي الإجمالي يظهر علامات الضعف. وكان الناتج المحلي الإجمالي خلال الربع الثاني بعيداً عن التوقعات إلى حد كبير (1.2% مقابل نسبة متوقعة من 2.5%) كما تمت إعادة النظر في الناتج المحلي الإجمالي خلال الربع الأول (0.8% مقابل 1.1% في التقديرات الأولية). ومن وجهة نظري، أرى أن أفضل فرصة سانحة لرفع سعر الفائدة هذا العام تبقى خلال شهر سبتمبر. ولكن في الوقت الحاضر، يبقى القرار النهائي للجنة الفدرالية للأسواق المفتوحة قريباً من توازن بنسبة 50:50، وسيعتمد بشكل كبير على البيانات الاقتصادية المجموعة خلال شهري يوليو وأغسطس. ومن المبكر جداً تكوين قناعة قوية بشأن اجتماع شهر سبتمبر لمجلس الاحتياطي الفدرالي.
الولايات المتحدة: الانتخابات الرئاسية لم تحسم بعد
ستكون الانتخابات الرئاسية بمثابة محرك أمريكي آخر لأسواق رأس المال. وستشدد الحملة في الوقت الراهن على انتهاء زمن اتفاقيات الأحزاب. وأصبحت نتيجة الانتخابات غير قابلة للتوقع أكثر من أي وقت مضى. وتعتبر النتائج غير المتوقعة لاستفتاء المملكة المتحدة أكبر دليل على عدم وجود أي شيء محدد مسبقاً. وسيكون الاعتقاد بأن الانتخابات الرئاسية الأمريكية باتت مجرد تحصيل حاصل وأن هيلاري كلينتون ستكون الرئيس القادم للولايات المتحدة أمراً محفوفاً بالمخاطر؛ حيث أن الفجوة التي تفصل المرشحين الرئاسيين شهدت تقلصاً ملحوظاً خلال الأسابيع الماضية وأصبحت منسجمة مع هامش الخطأ بشكل أو بآخر. ومن المرجح أن ينجذب العديد من الناخبين الذين يعتبرون أنفسهم غير مستفيدين من الانتعاش الاقتصادي إلى وجهات النظر الشعبوية والمناهضة للمؤسسات الحاكمة التي يطرحها دونالد ترامب. وعلى العكس من ذلك، تعمل التركيبة الديموغرافية للولايات المتحدة دون أدنى شك لصالح هيلاري كلينتون. وستعتمد نتيجة الانتخابات على معدلات مشاركة فئة الشباب والأقليات العرقية – اثنتان من مجموعات الناخبين التي يميل أفرادها في العادة للإدلاء بأصواتهم لصالح مرشح الحزب الديمقراطي.
واستناداً إلى تحليل تاريخي لمتوسط عائدات مؤشر ’ ستاندرد آند بورز 500‘ خلال الفترات الرئاسية بين 1930 و2015، يبدو أن وجود رئيس ديمقراطي هو أمر أكثر فائدةً بالنسبة لأسواق رأس المال قياساً برئيس جمهوري. ويشهد مؤشر ’ ستاندرد آند بورز 500‘ متوسط زيادة بنسبة 11.38% خلال السنة الأولى للولاية الرئاسية عندما يكون الرئيس من الحزب الديمقراطي، في حين ينخفض المؤشر بنسبة 1.27% عندما يكون الرئيس جمهورياً. وفي نهاية الولاية الرئاسية، يكون الفارق كبيراً بشكل ملحوظ. ففي السنة الرابعة، يزداد مؤشر ’ ستاندرد آند بورز 500‘ بنسبة 9.65% في ظل حكم الحزب الديمقراطي مقابل زيادة بنسبة 0.62% عندما يكون الحزب الجمهوري في سدة الحكم. ومن الواضح أن هذا التحليل لا يأخذ بعين الاعتبار مجموعةً من العوامل الأخرى (الانتماء السياسي للكونجرس الأمريكي وأسعار النفط والسياسة النقدية وغيرها) ولكنه يبدو مؤكداً لتشخيص يتقاسمه مجتمع الأعمال على نطاق واسع ومفاده أن هيلاري كلينتون، التي تعتبر أكثر تأييداً لقطاع الأعمال والتي قامت بدعم التجارة الحرة خلال مسيرتها، ستكون أفضل من دونالد ترامب بالنسبة لمؤشر ’ ستاندرد آند بورز 500‘.
ومع ذلك، من المرجح أن فوز دونالد ترامب لن يحمل أثراً سلبياً قوياً على الأسواق، خلال المدى القصير على الأقل، ويعود ذلك إلى حقيقة أن المستثمرين توقعوا بالفعل حدوث هذا الاحتمال. ويتمثل السيناريو الذي لا تستوعبه السوق بفوز دونالد ترامب وفوز الديمقراطيين في مجلس النواب. ويمكن لهذا الامر أن يؤدي إلى حالة من الجمود السياسي على غرار الهاوية المالية التي حدثت في نهاية عام 2012. وسيكون هذا الأمر بمثابة نتيجة الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأقل تفضيلاً بالنسبة للمستثمرين. وسيحتاج هؤلاء إلى بعض الوقت للتعايش مع هكذا نتيجة. وفي ذات الوقت، ستشهد أسواق رأس المال زيادةً في حدة التقلبات.
غرب أوروبا: “البريكسيت هو السبب”
في أوروبا، يبقى مسار النمو الاقتصادي مترنحاً في حالة من عدم الاستقرار. وسيكون من السهل إلقاء اللوم على البريكسيت بالنسبة لتباطؤ النمو. ولكن عملية تراجع النمو بدأت مع انطلاقة عام 2016. وتقترب أوروبا والولايات المتحدة من نهاية دورة الأعمال. وفي المملكة المتحدة، دخل مؤشر مدراء المشتريات في قطاع البناء- وهو أحد المؤشرات المبكرة لمنحى الناتج المحلي الإجمالي- في حالة من الانكماش منذ عدة أشهر، مؤكداً أن الاقتصاد البريطاني كان سيشهد حالة من التباطؤ حتى لو صوت الناخبون لصالح البقاء في الاتحاد الأوروبي. وستقوم نتائج الاستفتاء بتسريع العملية فحسب. ووفقاً للإحصاءات الأولية، ستمر المملكة المتحدة بأصعب فترة لها في المدى القصير. وتشير مؤشرات مدراء المشتريات إلى حالة من الانكماش الاقتصادي خلال مرحلة ما بعد البريكسيت لم تشهدها البلاد منذ عام 2009، في حين هبط مؤشر تفاؤل الأعمال الصادر عن ’اتحاد أرباب العمل في المملكة المتحدة‘ (سي بي آي) إلى -47 نقطة خلال شهر يوليو من -5 نقطة خلال الشهر الذي سبقه، وهو أدنى مستوىً له منذ عام 2009. ومن الواضح أن حالة الركود تتجه لتسود على الاقتصاد البريطاني كما هو متوقع من قبل ’بنك إنجلترا‘. واختار البنك المركزي الوضع الراهن للفائدة في شهر يوليو، إلا أنه من الممكن أن يقرر تخفيض أسعار الفائدة خلال الاجتماع القادم في 4 أغسطس، نظراً لكون العلامات المبكرة تؤكد حالة التباطؤ الاقتصادي في أعقاب البريكسيت. ومن المتوقع بالإجماع أن يتم تخفيض سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس. إنها مسألة وقت فقط قبل أن تقوم المملكة المتحدة بتهدئة سياستها النقدية بصورة أكبر. وسيتمثل التحدي الرئيسي الفوري للملكة المتحدة في التعامل مع العجز الكبير في الحساب الجاري، والذي يصل إلى قرابة 7% من الناتج المحلي الإجمالي. وبالتأكيد، سيساعد الجنيه الإسترليني الأضعف الاقتصاد البريطاني، إلا أن هناك خطر حقيقي يتمثل بتقلص فائض الخدمات خلال الأرباع القادمة. ومع ذلك، وعلى المدى الطويل، تسود حالة من التفاؤل على الاقتصاد البريطاني. وتعتبر المملكة المتحدة الدولة الوحيدة التي يمكنها بكل تأكيد التغلب على تحديات الخروج من الاتحاد الأوروبي. وفيما يتعلق بالأخير، لايزال من الصعب تقدير حجم الأثر. ووفقاً لتقديرات وكالة ’بلومبيرغ‘، يمكن للبريكسيت خفض الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة اليورو بواقع 0.1 نقطة مئوية في عام 2016 وبواقع 0.3 نقطة مئوية في عام 2017. وينبغي أن ينظر لهذه التقديرات بعين الحذر نظراً لعدد الشكوك التي تحوم حول العملية السياسية التي بدأت للتو.
يتمثل جانب آخر من مخاوف الاتحاد الأوروبي في سلامة القطاع المصرفي الإيطالي الذي يشهد حالة من التدهور البطيء والمستمر منذ عدة سنوات. وتصل نسبة القروض المصرفية المتعثرة من إجمالي سجل الإقراض إلى 1.5% في المملكة المتحدة و5% في فرنسا و18% في إيطاليا. وفي المجموع، تصل قيمة القروض المتعثرة في القطاع المصرفي الإيطالي إلى 400 مليار يورو وهو مبلغ يساوي 20% من الناتج المحلي الإجمالي لإيطاليا. إلا أن نسبة 10% فقط من هذا المبلغ تمثل خطراً فورياً وحقيقياً. إنه مستوىً حرج بحق ولكنه لن يكون بأي حال من الأحوال مشكلة قابلة للحل. وتتمثل الحلقة المفقودة بالإرادة السياسية لاتخاذ التدابير الملائمة. وفي الواقع، تمثل البنوك الإيطالية الشجرة التي تخفي الغابة. حيث أن القضية الرئيسية بالنسبة لإيطاليا هي انعدام النمو الاقتصادي بالرغم من الإصلاحات الهيكلية التي نفذها ماتيو رينزي، ولاسيما تلك المتعلقة بسوق العمل. وعند الأسعار الثابتة، لم يشهد الناتج المحلي الإجمالي الإيطالي أي زيادة في غضون 15 عاماً. 15 عاماً من توقف النمو! سيتم إيجاد حلول لمشاكل القطاع المصرفي إلا أنها ستطفو على السطح عاجلاً أم آجلاً في حال فشل الدولة بتحقيق نمو مستدام.
آسيا – المحيط الهادئ: الكرة الآن في ملعب الحكومة اليابانية
وجدت الحكومية اليابانية نفسها مضطرة لاتخاذ إجراءات تدخلية في ضوء التدابير الخجولة التي كشف عنها ’البنك المركزي الياباني‘ في يوليو الماضي، والتي شملت مضاعفة مشتريات صناديق الاستثمار المتداولة إلى 6 تريليون ين ياباني سنوياً، وكذلك مضاعفة حجم برنامج الإقراض بالدولار الأمريكي لدعم عمليات الشركات اليابانية في الخارج. ويمكن في هذا الإطار استخلاص 3 استنتاجات من اجتماع المركزي الياباني، وهي أولاً: أن المركزي يقر ضمناً افتقاره للمجال الكافي من أجل التصرف ضمن إطار السياسة النقدية الحالية. إذ يشتري البنك أكثر من 90% من الديون الصادرة حديثاً في البلاد، ولذلك فإنه من الصعب جداً زيادة المشتريات، خاصة وأن ذلك لن يحمل أي تأثير على الاقتصاد. ويتمثل الملاذ الوحيد هنا في زيادة مشتريات صناديق الاستثمار المتداولة لأنه يشكل أحد قطاعات السوق النادرة التي لا يعتبر البنك المركزي لاعباً مهيمناً فيها، حيث لا يشكل سوى 55% من صناديق الاستثمار المتداولة اليابانية. ثانياً، يبدو أن المركزي اليابان أصبح على قناعة بعدم وجود مجال كافٍ لخفض قيمة الين الياباني. وبالرغم من التدخلات العديدة في سوق عملات الفوركس، والجولتين الأولى والثانية للتيسير الكمي والنوعي، ولكن سعر الصرف يواصل الارتفاع بشكل كبير. ومنذ يونيو من العام الماضي، سجل مؤشر التجارة المرجحة للين الياباني معدلاً ضخماً بلغ 25%. وثالثاً، يدرك ’المركزي الياباني‘ أن مسألة التمويل بالدولار الأمريكي للشركات قد يفضي إلى مشاكل في السوق على المدى الطويل. وقد برزت هذه المسألة على المستوى العالمي ولكنها لم تحظَ بأهمية كبيرة بعد من جانب صناع القرار والسياسة. وسيخذ المركزي الياباني خطوته التالية في سبتمبر المقبل حين تتلقى الحكومة تقريراً يتناول أثر برنامج السياسة النقدية الحالية. وحتى ذلك الحين، من غير المتوقع اتخاذ أي تدابير جديدة من جانب البنك المركزي. وفي سياق متصل، يمكن للتقرير فتح الباب لتطبيق سياسة ضخ النقود لحفز النمو (نظرية المروحية النقدية). ويمكن أن ينطوي ذلك على مقترحات لإصدار سندات سيادية دائمة قابلة للشراء من قبل البنك المركزي، وذلك دون تحديد فترات استحقاق. ويمثل هذا النوع من التمويل النقدي للعجز العام الخطوة الأخيرة التي نرجح عدم فعاليتها شأنها شأن التدابير السابقة التي هدفت إلى معالجة الانكماش (انخفض مؤشر أسعار المستهلكين الأساسي بنسبة 0.5% على أساس سنوي خلال يونيو الماضي. وفي الوقت الراهن، تبدو الكرة في ملعب الحكومة. وفي ضوء الدعم الذي اكتسبته خلال انتخابات مجلس الشيوخ في يوليو الماضي جنباً إلى جنب مع مواجهة التدابير الخجولة من قبل بنك اليابان، يتمثل الخيار الوحيد أمام الحكومة اليابانية في الإعلان عن خطة تحفيز ضخمة خلال شهر أغسطس. ومن المتوقع أن تبلغ قيمة الحوافز الجديدة حوالي 28 تريليون ين ياباني، بما يشمل 13 تريليون ين في الإنفاق. ويمكن أن تستهدف الإجراءات التحفيزية الإنتاج الصناعي الذي انخفض بنسبة 1.9% على أساس سنوي في يونيو، وكذلك انخفاض الأجور. ويكمن التحدي الأبرز الذي يواجه البلاد في الضغط من أجل تحسين التوفيق بين السياسات النقدية والمالية، وهو ما قد يشكل قضية مهمة إذا كانت الخطة المالية المقبلة طموحة بما فيه الكفاية.
أوروبا الوسطى والشرقية – روسيا: بولندا لا تزال على الطريق الصحيح… على الأقل حالياً
لا تبدو الأجواء سلبية في كامل أوروبا؛ إذ توكد الإحصاءات الصادرة لشهر يوليو أن النمو الاقتصادي المخيب للآمال في الربع الأول 2016 كان زوبعة بالنسبة لبولندا؛ غير أن الوضع الاقتصادي لا يزال إيجابياً نتيجة تحسّن الموارد المالية الخارجية وقوة الأسس الاقتصادية عموماً. ويشير تراجع معدل البطالة في شهر يونيو (من 9.1% إلى 8.8%) جزئياً إلى التعديلات الموسمية التي تعتبر أمراً طبيعياً في هذا الوقت من العام، ولكنه يعكس أيضاً بروز توجه لهبوطٍ طويل المدى تكشّف فعلياً في عام 2002. وقد تغير معدل البطالة منذ عام 2007 في بولندا دون مستوى مؤشر المتوسط المتحرك على المدى الطويل والبالغ 11.4%. ويمثل ذلك إشارة واضحة إلى أن سوق العمل آخذة بالتحسن، وستواصل مزيداً من التطور في السنوات القادمة. من جهة ثانية، لا يزال الاستهلاك الخاص محركاً رئيسياً للنمو الاقتصادي. حيث تبدو ثقة المستهلكين قرب أعلى مستوياتها المسجلة في عام 2007. ولكن الجانب السلبي الوحيد بالنسبة للاقتصاد يتعلق بالثقة إزاء الشركات، والتي تتطور في نطاق ضيق منذ الربع الأول 2014، ما يمثل أقل بكثير من المستويات المسجلة ما قبل الأزمة الاقتصادية. وسيفضي ذلك إلى ضعف الاستثمار الخاص، وهو ما يشكل قضية رئيسية لأنها قد تحد من النمو المحتمل على المدى الطويل وتؤدي إلى تضاؤل رأس مال الموجّه للبحث والتطوير. ونتيجة لذلك، لا تزال بولندا اقتصاداً يقوم في الغالب على التقليد وليس الابتكار. وبالنسبة لعام 2016، لا تزال التوقعات الاقتصادية حول بولندا إيجابية جداً: فقد يصل معدل نمو سنوي إلى 3.2%، وهو أداء متميز مقارنة مع البلدان الأخرى في الاتحاد الأوروبي.
الدول الاسكندنافية: فنلندا… الحلقة الأضعف
من الأفضل إلى الأسوأ… هناك دولة واحدة فقط في منطقة اليورو تبلغ فيها ثقة الأعمال مستويات أدنى من اليونان حتى، إنها فنلندا. تظهر الأرقام الأخيرة أن ثقة الأعمال تبلغ -12.1 في فنلندا قياساً بواقع -9.1 في اليونان و-2.3 في منطقة اليورو بالمجمل. وتعتبر فنلندا خير مثال عن البلد الذي يقبع فوق أمجاد الماضي وفشل في الارتقاء باقتصاده إلى دورات الابتكار التالية. وفي عالم مثالي، إن أسهل طريقة لاستعادة القدرة التنافسية تتمثل في خفض قيمة العملة، وهو أمر أصبح بحكم المستحيل بعد تبنّي البلاد لعملة اليورو. ولإضفاء المزيد من التعقيد على الأمور، شهدت تكاليف العمالة ارتفاعاً بواقع 20% تقريباً منذ عام 2008، في حين كانت العديد من الدول الأوروبية تقوم بتطبيق إصلاحات تهدف لخفض تكاليف العمالة على وجه الخصوص. وجاءت الضربة القاضية عندما قرر الاتحاد الأوروبي، الذي تعتبر فنلندا جزءاً منه، فرض عقوبات اقتصادية على روسيا التي تعتبر واحدة من أسواق التصدير الرئيسية بالنسبة للدولة. وعلى الرغم من هروب فنلندا من خطر الركود منذ عام 2015 إلا أن النمو الاقتصادي لا يزال ضعيفاً للغاية، كما أن المستويات المتدنية لثقة الأعمال تؤكد مصداقية التوقعات التشاؤمية. ويعتبر التوقيع على اتفاقية القدرة التنافسية بين الحكومة والاتحادات النقابية الرئيسية في البلاد قبل شهر من الآن، والتي تتمثل بزيادة مدة أوقات العمل، بمثابة تدبير طارئ لا بد من اتخاذه ولكنه لن يكون كافياً لتعزيز النمو. ومن المرجح أن تبقى ثقة الاعمال على مقربة من المستوى الحالي خلال الأشهر القادمة.
الشرق الأوسط: تركيا… مسرح الفوضى
وأخيراً، ستقبع تركيا في دائرة التركيز عن فئة الأسواق الناشئة خلال هذا الشهر. وفي أعقاب الانقلاب العسكري، قامت وكالة ’ستاندرد آند بورز‘ بتخفيض التصنيف الائتماني لتركيا بمقدار درجة واحدة من (BB+) إلى (BB) مع نظرة مستقبلية سلبية. وبتاريخ 19 أغسطس، من المقرر ان تقوم وكالة ’فيتش‘ الائتمانية بنشر تصنيفها السيادي لتركيا، وستقوم الوكالة بكل تأكيد بخفض التصنيف الائتماني للدولة على غرار ما قامت به وكالة ’ستاندرد آند بورز‘. ولبضع سنوات، لم يكن لقرارات وكالات التصنيف الائتماني تأثير حاسم على التطورات الاقتصادية والمالية بالنسبة لمعظم البلدان. ولكن الأمر ليس كذلك بالنسبة لتركيا، التي تعتمد إلى حد كبير على التمويل الأجنبي بسبب احتياطيات العملات الأجنبية المنخفضة وتدني الوفورات المحلية، وفوق هذا كله، تصاعد مستويات الدين الخارجي حيث ازداد الدين الخارجي بنسبة 120% منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة. وستنطوي حالة عدم الاستقرار السياسي على أربعة عواقب مالية رئيسية بالنسبة للدولة: 1) من المرجح أن يرتفع مستوى تمويل الشركات التركية بالعملات الأجنبية بشكل كبير نظراً لانخفاض قيمة الليرة أمام الدولار، الأمر الذي يمكن أن يساهم في تقليص حجم الاستثمارات الخاصة ويبرز المخاطر الائتمانية بالنسبة للبنك؛ 2) من المرجح أن تشهد ربحية البنوك، التي انخفضت بواقع 55% تقريباً بين شهر ديسمبر عام 2007 وشهر ديسمبر عام 2015، انخفاضاً إضافياً لتثير الأسئلة حول الوصول إلى السيولة؛ 3) من المرجح أن تنعكس الزيادة الكبيرة التي شهدتها تدفقات النقد الأجنبي مؤخراً مكثفةً بذلك ضائقة السوق؛ 4) تأجيل الإصلاحات الموعودة لتقليل مستوى الاعتماد على التمويل الأجنبي إلى أجل غير مسمى. ولا يزال معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي أعلى من المعدل المتوسط على المدى الطويل، ولكن مخاطر الهبوط ازدادت بصورة ملحوظة. ويعتبر تباطؤ النمو أمراً لا مفر منه ويمكن أن يطبق المزيد من الضغوط على البنك المركزي، الذي باتت استقلاليته محط التساؤلات، من أجل تخفيف السياسة النقدية بشكل أكبر خلال الاجتماع المرتقب في 23 أغسطس.