دبي – مينا هيرالد: خلص تقرير نشرته ديلويت مؤخراً بعنوان ”نظرة على قطاع الرعاية الصحية العالمي لعام 2016 – تقليص التكاليف والارتقاء بخدمات الرعاية الصحية“ إلى أن التطوير أصبح المعيار الطبيعي الجديد لهذا القطاع الحيوي. واستندت ديلويت في هذه الخلاصة إلى حرص كل من مزوّدي خدمات الرعاية الصحية وشركات التأمين والحكومات وغيرهم من الأطراف المعنية الأخرى على تقديم خدمات رعاية صحية تتسم بالكفاءة والفعالية وتكون متاحة للجميع على قدم المساواة وذلك من خلال أنظمة صحية تشهد تحولات هائلة وجذرية في النماذج التجارية والسريرية والتشغيلية.

وتكتسب هذه التحولات زخمها من عدة عوامل من أهمها النمو السكاني، وارتفاع متوسط أعمار السكان، وانتشار الأمراض المزمنة، وازدياد التركيز على جدودة وقيمة خدمات الرعاية الصحية، وتطور اللوائح التنظيمية المعنية بالشؤون المالية والجودة، ومستهلكون يتمتعون بمستوى جيد من الحقوق والمعرفة الصحية، بالإضافة إلى استخدام الأجهزة التكنولوجية والأساليب المبتكرة في العلاج. وقد أدت جميع هذ العوامل إلى ارتفاع مستويات التكاليف والإنفاق في مجال تقديم خدمات الرعاية الصحية وتحسين البنية التحتية والأجهزة التكنولوجية المبتكرة.

وفي هذا الإطار، علّق عبد الحميد صبح، الشريك المسؤول عن قطاع علوم الحياة والرعاية الصحية في ديلويت الشرق الأوسط قائلاً: ”من غير المحتمل أن يبقى التراجع في إنفاق دول مجلس التعاون الخليجي على الرعاية الصحية في العام 2015 على حاله، فهذا تراجع مؤقت من المتوقع أن يعاود نمو الارتفاع في العام 2016 ليصل إلى 4% وإلى أكثر من 6% في العام 2017 و 2018.”

وتابع صبح كلامه قائلاً: ”سوف تشهد العديد من أسواق الرعاية الصحية، وعلى الأغلب في آسيا والشرق الأوسط، نمواً سريعاً مدفوعاً مع تطور أنظمة الرعاية الصحية في القطاعين العام والخاص في بعض الدول، بالإضافة إلى الإحتمال الكبير بأن يشكل الاتجاه العام نحو الرعاية الصحية الشاملة عامل نمو في العديد من الأسواق. بالمقابل، سيتواصل ازدياد الضغوط المتمثلة بتقليص تكاليف خدمات الرعاية الصحية، وزيادة كفاءتها وتجسيد قيمتها“.

في حين يميل الاتجاه العام إلى إقران زيادة تكاليف خدمات الرعاية الصحية بالمواقف السلبية من قبيل الهدر في النفقات الإدارية، وارتفاع أقساط التأمين، والتكاليف الباهظة لعلاج الأمراض المزمنة، فإنّ هذه الزيادة يمكن أن تنمّ عن مؤشرات إيجابية مثل أساليب العلاج الطبي الجديدة والأجهزة التكنولوجية المبتكرة حيث من المحتمل أن يسفر هذان المؤشران في المستقبل عن إيجاد علاج ناجع لأمراض كان ميؤوساً منها في السابق.

لقد باتت الآفاق المستقبلية لقطاع الرعاية الصحية العالمي واضحة المعالم وعلى جميع الأطراف المعنية بهذا القطاع أن تسعى جاهدة لخفض التكاليف لا سيما على ضوء الإجماع بأن المسار المتصاعد حالياً لهذه التكاليف غير قابل للاستدامة. ويحتدم هذا النقاش المتعلق بخفض التكاليف على وقع المسائل التالية:

الصحة السكانية – تسعى الأطراف المعنية في قطاع الرعاية الصحية إلى معالجة منحنى التكلفة بأساليب مبتكرة بهدف إدارة صحة السكان وأنظمة الصحة والرعاية الاجتماعية، وهذا يتطلب تضافر جهود جميع القوى المعنية، كما يتطلب ذلك من القطاعين العام والخاص الانتقال إلى الصيانة الوقائية والاستباقية.

الأمراض المزمنة والمعدية – تعاني الدول المتقدمة والنامية على حد سواء من الآثار الخطيرة لانتشار الأمراض المزمنة، فيما تواصل الدول النامية على وجه الخصوص جهودها للقضاء على الأمراض المعدية. وفي إطار آخر، تتفاوت الفرص المتاحة أمام السكان بين دولة وأخرى للحصول على الرعاية الصحية سواء من حيث الوصول إلى الأطباء أو دخول المستشفيات والعيادات أو تلقي العلاج المناسب. ويعود ذلك إلى اختلافات بين هذه الدول قد تكون بسيطة مثل أساسيات البنية التحتية أو معقدة مثل مسائل احتواء تكاليف الرعاية الصحية.
الحصول على الرعية الصحية – في الوقت الحاضر، يتميّز متلقو خدمات الرعاية الصحية بالكثير من المعرفة وزيادة مشاركتهم في هذه العملية بالإضافة إلى تحملهم المسؤولية المالية للقرارات التي يتخذونها بخصوص رعايتهم الصحية الأمر الذي يجعلهم يرفعون من توقعاتهم حول خدمات ومنتجات الرعاية الصحية التي يحصلون عليها.
الإنفاق الحكومي – تُعتبر الرعاية الصحية من أضخم القطاعات في العصر الحديث، إلا أنه وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، فإنّ عدد كبير من الحكومات حول العالم تواجه تحديات عديدة أهمها صعوبة تخصيص الموارد المالية الضرورية لتلبية التوسع في الطلب على خدمات الرعاية الصحية ولا سيما عندما تترافق هذه التحديات المالية مع تواصل ارتفاع تكاليف الخدمات الصحية.
آليات السيطرة على أسعار الأدوية – وسط التحوّل الإصلاحي الذي يشهده قطاع الرعاية الصحية نحو تأسيس أنظمة الدفع والسداد التي تركز على المحصلات وتستند إلى القيمة، تعمل دول عديدة حالياً على إجراء إصلاحات بهدف وضع آليات للسيطرة على أسعار الأدوية. وهذا من شأنه أن يضع شركات تصنيع الأدوية تحت ضغوطات متواصلة لإعطاء مسوغات مقنعة لتكاليف منتجاتها الدوائية بالاستناد إلى عدة أمور من بينها الملاءمة النسبية لأسعار منتجاتها مقارنة بأدوية مماثلة.
الهدر – تواصل الأطراف المعنية في قطاع الرعاية الصحية جهودها لتحديد الطرق المناسبة للتخلص من الهدر في نظام الرعاية الصحية. وفي الوقت ذاته، تدفع كل من ضغوطات التكاليف، ونماذج التوظيف المتغيرة، والتقدم التكنولوجي بالإضافة إلى رغبات المستهلكين إلى التشديد على أهمية إيجاد ”نظام الرعاية الصحية في كل مكان“ وذلك من خلال تقديم خدمات الرعاية الصحية البديلة والنماذج التشغيلية مثل عيادات التجزئة والرعاية المنزلية والطبابة عن بُعد والسياحة العلاجية. بالمقابل، تسعى كل دول العالم جاهدة لتحقيق التوازن بين ارتفاع عدد سكانها وزيادة احتياجاتهم من الرعاية الصحية وبين الطلب على المهنيين الصحيين ذوي الخبرة.
التقدم الطبي – إنّ تكاليف الابتكارات الطبية باهظة جداً، غير أنه من الممكن جداً اعتماد منهجية الرعاية الصحية الدقيقة القائمة على كل حالة شخصية على نطاق واسع، وكذلك الانتقال بالخدمات السريرية من العلاج العمومي إلى العلاج المناسب لكل حالة فردية من خلال الاستثمارات المشتركة بين القطاعين العام والخاص في توفير خدمات الرعاية الصحية التي تجمع الأدوية والأجهزة الطبية مع تقنيات التشخيص وبرامج إدارة الأمراض ودعم القرارات العلاجية قليلة التكلفة. من جانب آخر، توجد احتمالات كبيرة لاستنباط طرق علاجية جديدة ترفع محصلات الرعاية الصحية إلى مستويات عالية جداً من خلال توفير الرعاية الصحية الشخصية القائمة على علم الوراثة أو الخريطة الجينية.
الرعاية الصحية الرقمية – تحت تأثير الطلب على القيمة وازدياد البيئة التنافسية، تجد مؤسسات الرعاية الصحية نفسها مضطرة لإيجاد وسائل جديدة وأكثر فعّالية للارتقاء بجودة خدماتها من بينها الطبابة عن بُعد، والطبابة المتحركة (عبر تطبيقات الهواتف الذكية)، والسجلات الإلكترونية للمرضى، والأجهزة الطبية القابلة للارتداء بالإضافة إلى مواقع التواصل الاجتماعي حيث تشهد مثل هذه الوسائل زيادة سريعة في استخدامها وتأثيرها وبالتالي تترك آثاراً مهمة على قطاع الرعاية الصحية.
البيانات والتحليلات الإحصائية – مع استمرار تقلص هامش الربح أمام أنظمة الرعاية الصحية والميزانيات المتقشفة وتطور نماذج الدفع، يمكن وصف الآلية التي تجمع بين البيانات والتحليل الإحصائي بأنها المفتاح المفقود لفتح مصادر جديدة للقيمة.