أبوظبي – مينا هيرالد: كشف اليوم معهد مصدر للعلوم والتكنولوجيا، الجامعة البحثية المستقلة للدراسات العليا التي تركز على تقنيات الطاقة المتقدمة والتنمية المستدام، عن نجاح باحثيه في تطوير نوع جديد من “ورق البوكي”، وهي عبارة عن رقائق تتشكل من الأنابيب الكربونية وتتميز بخواص توصيل حراري وكهربائي أفضل مقارنة بالرقائق المتوفرة. وحسب الباحثون، يمكن الاستفادة من هذه المادة المبتكرة في تطوير مركبات تتميز بخفة وزن فائقة ويمكن الاستفادة منها في العديد من التطبيقات المهمة في قطاعي الطيران والطاقة، مثل تصنيع مواد متقدمة لحماية الطائرات من صواعق البرق وتطوير بطاريات ليثيوم-أيون أكثر كفاءة.

فقد قام فريق بحثي في معهد مصدر، ضم كل من الدكتور راشد أبو الروب والدكتورة أمل الغافري، الأستاذان المشاركان في قسم الهندسة الميكانيكية وهندسة المواد؛ والدكتور حماد يونس، الباحث في دراسات ما بعد الدكتوراه، بتطوير الرقاقة النانوية “ورقة البوكي” بالاعتماد على أنابيب نانوية طورتها شركة الأمن والفضاء وتكنولوجيا المعلومات العالمية “لوكهيد مارتن”.

وقد تم في وقت سابق من هذا العام نشر ورقة بحثية حول هذا المشروع البحثي في مجلة “الماس والمواد ذات الصلة”، وقام بإعدادها طالب الدكتوراه في معهد مصدر مهفوزار رحمن، وخريج ماجستير الهندسة الكيميائية أحمد دلق.

وتتميز البنى الكربونية التي قدمها “قسم الحلول التطبيقية للبنى النانوية” في شركة لوكهيد مارتن بخصائص فريدة وتوصيل جيد للحرارة والكهرباء. وهذه البنى عبارة عن رقاقات سوداء دقيقة تتكون من مئات الأنابيب النانوية، التي يتشكل كل واحد منها من شرائح من الجرافين وحيدة الذرة ملفوفة التي يتم لفها على شكل أنبوب لتوفير خصائص ميكانيكية وكهربائية وحرارية فائقة.

وأشارت الدكتورة الغافري إلى أن البنى النانوية التي توفرها لوكهيد مارتن تنطوي على خصائص مهمة يمكن استغلالها في العديد من التطبيقات، لكن من الصعب استخدامها وهي بصيغة بودرة من الرقاقات الدقيقة. وقالت: “من الضروري إعادة تشكيل هذه البنى في صيغ تحافظ على الخصائص الفريدة للأنابيب الكربونية. وتمثل التحدي الذي واجهنا في إمكانية توظيف أنابيب الكربون النانوية في تطوير مادة مفيدة دون فقدان أي من خصائصها أو التأثير على طريقة رصفها.

من جانبه، أشار الدكتور يونس إلى أن كل رقاقة دقيقة تتكون من مجموعة من أنابيب الكربون النانوية المرصوفة بشكل متسلسل شبيه بالأسلاك، ما يجعل منها موصلات ممتازة للكهرباء”.

وقد قام باحثو معهد مصدر بمزج أنابيب الكربون النانوية مع البوليمر، ليحصلوا بالنتيجة على “ورق بوكي” ذي أنابيب كربون نانوية مرصوفة بشكل متسلسل، توفر إمكانات توصيل حرارية وكهربائية عالية وخصائص ميكانيكية استثنائية”.

من جهته، قال الدكتور أبو الروب: “لدينا طريقة خاصة تُمكن أنابيب الكربون النانوية من القيام بعملية رصف ذاتي ضمن ورق البوكي. ويعد هذا الرصف الذاتي عاملاً رئيسياً في تعزيز الخواص الكهربائية والحرارية والميكانيكية لورق البوكي الذي نقوم بتطويره.”

وعلى الرغم من الحجم المجهري لأنبوب الكربون النانوي، الذي يعد أرفع من شعرة الرأس بعشرة آلاف مرة، إلا أنه يلعب دوراً هائلاً في مجال التكنولوجيا. فيعد كل أنبوب كربون نانوي أقوى بـ 200 مرة وأكثر مرونة بخمسة مرات وأفضل توصيلاً للكهرباء بخمسة مرات من الحديد.

وبفضل قوتها وخصائصها الحرارية والكهربائية الفائقة وحجمها الدقيق، يمكن استخدام أنابيب الكربون النانوية في العديد من التطبيقات، نذكر منها تصنيع أجهزة تخزين للطاقة فائقة النحافة، ورقاقات حاسوبية أصغر حجماً وأكثر كفاءة، وخلايا شمسية كهروضوئية، وإلكترونيات مرنة، وأجهزة الكشف عن السرطان، ونظم طلاء مقاومة للصواعق للطائرات.

ووفق تقرير صادر عن “غلوبال إندستري أناليستس”، تبلغ القيمة الحالية لسوق الأنابيب النانوية العالمي نحو 5 مليارات دولار، فضلاً عن أن حصتها من السوق تشهد تنامياً كبيراً، ما يعكس تزايد الاهتمام العالمي بهذه المادة الفريدة.

واستناداً إلى اهتمامه بهذه التكنولوجيا الناشئة، أطلق معهد مصدر العديد من المشاريع البحثية المتقدمة التي تركز على الاستفادة من أنابيب الكربون النانوية، حيث يهدف بعضها إلى تطوير مواد اسمنتية معززة بالأنابيب النانوية، وكذلك مكثفات كهربائية فائقة يمكن شحنها بمقدار يصل إلى أكثر من 50 ضعفاً، وأغشية قادرة على احتجاز الملوثات العضوية الدقيقة.

وإذ تتجه دولة الإمارات نحو بناء مستقبل قائم على الطاقة النظيفة، تكتسب الابتكارات في مجال نظم تخزين الطاقة المتجددة وغيرها من التقنيات المستدامة أهمية كبيرة لكونها تسهم في دعم جهود الدولة لتحقيق هذا الهدف المنشود. وبدورهم، يعتقد باحثو معهد مصدر أن أنابيب الكربون النانوية سوف تسهم بدور كبير في تحقيق استدامة الطاقة.