بقلم جون ج. هاردي، رئيس استراتيجيات العملات الأجنبية لدى ’ساكسو بنك‘
اضطراب وارتباك
يعتبر الانتقال التدريجي نحو سياسة مدفوعة بالعناصر المالية من السياسة المعروفة التي تتبعها البنوك المركزية بمثابة أمر محتوم لا مفر منه كما أن موضوع الوصول إلى العوائد يمكن أن يواجه الفشل خلال الربع الرابع.
“ولكن اللعبة انتهت: فمن غير الممكن لسياسة نقدية وحيدة أن تؤدي المطلوب – كما أن عدم اعتراف مجلس الاحتياطي الفدرالي بالخسارة الكاملة لمصداقيته في السوق يمثل أمراً مقلقاً على أقل تقدير”
“ولذلك، يتمثل مخططنا الرئيسي للتداول خلال فترة الربع الرابع في أنه مع تراجع الثقة وتأثير التيسير الكمي، نحن نتوقع أن تقدم عملات التيسير الكمي الكبيرة أداءً جيداً مقابل معظم العملات الأخرى”
ومن عدة نواح، بدا الربع الثالث كفترة جماعية لالتقاط الأنفاس في السوق مع التلاشي التدريجي للتقلبات في أسواق الأصول وأسعار العملات خلال هذا الربع، حتى بعد الضربة التي وجهها استفتاء البريكسيت للعالم المالي مع اقتراب الربع الثاني من الانتهاء.
وقد تم استيعاب الحصة الأكبر من ردود الفعل على استفتاء البريكسيت خلال الساعات الـ 24 الأولى وتلاشت حالة التقلب خلال أغلب فترات الربع، بالرغم من أننا شهدنا انخفاضاً حاداً في قيمة الجنيه الإسترليني. وفي مكان آخر، إن حالة الهدوء المريب التي أكدت نفسها خلال الربع الثالث كانت في الحقيقة امتداداً لعودة حالة الإقبال على المخاطرة ونظام الوصول إلى العوائد التي تم وضعه في أعقاب أزمة بداية العام.
وباختصار، أجبر الانهيار الذي ضرب الأسواق المالية في شهر يناير مجلس الاحتياطي الفدرالي على التراجع عن نوايا رفع سعر الفائدة وأبعد الصين عن تخفيض قيمة اليوان التي كانت الدافع الرئيسي لحالة التقلب في السوق، التي نجمت أيضاً عن ربط اليوان بدولار أمريكي قوي للغاية (مرةً أخرى استناداً إلى النبرة المتشددة لمجلس الاحتياطي الفدرالي). وفي الربع الثالث، أكد استفتاء البريكسيت وما تبعه من إجراءات تلطيفية قام باتخاذها بنك إنجلترا على فكرة أن البنوك المركزية لن تقوم أبداً باتخاذ أي إجراء من شأنه زعزعة السوق والتشجيع على مرحلة جديدة من الإقبال على المخاطرة.
إلا أن السوق بالغت في موضوع الوصول إلى العوائد مع توجهنا نحو الربع الرابع ولم تقدر الآثار المترتبة على اجتماعات البنوك المركزية الرئيسية خلال شهر سبتمبر بالشكل المناسب. وخلال اجتماع البنك المركزي الأوروبي في 8 سبتمبر، اختار البنك المركزي الأوروبي – وسط توقعات بإصلاح السياسات – أن يلتزم الحذر ولم يقم حتى بتوسيع آفاق برنامج الشراء الخاص به. وتتمثل الأسباب بأن عمليات شراء الأصول الخاصة بالبنك أكبر بكثير من أن تتمكن

سوق السندات الأوروبية من استيعابها خارج الآفاق المحددة حتى شهر مارس من العام القادم ومن الواضح أنها لا تقدم أي دعم يذكر للنمو الاقتصادي أو التضخم في المقام الأول.
وبعدها، يوم 21 سبتمبر، أطلق بنك اليابان مفاجأة مذهلة لم تحظَ بالتقدير الكافي وقد تمثلت بتخفيض تدريجي للتيسير الكمي. وتخلى إعلان سياسات بنك اليابان عن هدفه في شراء مجموعة الأصول وعوضاً عن ذلك، أعلن تركيزه على إدارة منحنى العوائد.
وكان بنك اليابان يعاني بوضوح من نقص السندات المطروحة للشراء ولم يعجبه ما كان يتسبب به هذا الأمر من إجبار لمنحى العوائد على السير في مستوىً أفقي وبالتالي سحق قدرة البنك الياباني على انتزاع الأرباح عبر نموذج تقليدي للعمل المصرفي يتمثل بالاقتراض لمدة قصيرة الأجل والإقراض لمدة طويلة الأجل. وكان التركيز الجديد بمثابة عملية تبادلية ذكية للغاية، ولكن مع قيام البنك باعتراض سيل من عمليات شراء الين تنطوي هذه الخطوة على آثار طويلة الأمد.
ونعم بالنسبة للمدى القصير، يسمح هذا الأمر لبنك اليابان بتخفيف المشتريات عند الحاجة عندما واجه البنك صعوبةً في العثور على سندات للشراء بعوائد معقولة في الوقت الذي يختبئ فيه تحت غطاء التركيز على العوائد. ولكن على المدى الطويل، يترك هذا الأمر الباب مفتوحاً على مصراعيه أمام توسع مستقبلي كبير في التيسير الكمي للسياسة المالية دون الحاجة للإعلان عن برنامج هدف شراء جديد. ويمكن أن تطرأ حاجة لعمليات الشراء تلك في اليوم الذي تقوم به حكومة شينزو آبي بتحفيز مالي أكبر مما شهدناه حتى الآن.
ويمكن لإطار العمل الجديد هذا في نهاية المطاف أن يشكل عائقاً أمام زوج العملات الدولار/الين خلال الربع الرابع.
التيسير الكمي إلى اللانهاية والعوائد نحو حالة من عدم الاستقرار
تخلى كل من البنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان عن سياسة التيسير الكمي، حيث لم يكتفِ كل منهما بإظهار علامات فقدان الثقة بأن سياسات التيسير الكمي تسير على النحو المنشود، بل خاض الطرفان ببساطة مرحلةً صعبةً مع الحدود العملية بسبب الحجم الكبير لبرامجهما والذي يفوق احتياجات صافي الإصدارات الحكومية بكثير. ويمكن أن يرى بعض مراقبو السوق أن مجلس الاحتياطي الفدرالي قد يعود مرةً أخرى إلى نظام التسهيلات الكمية في حال تزعزع استقرار الأسواق أو أظهرت الحكومة الامريكية مؤشرات تفضي بانزلاقها إلى حالة من الركود.
وفي نهاية المطاف، أشارت جانيت يلين خلال خطابها المخيب للآمال في ندوة ’جاكسون هول‘ بولاية وايومينج في شهر أغسطس إلى أن التسهيلات الجديدة ستأتي بشكل المزيد من سياسات التيسير الكمي، في حال استهدفت مجموعةً موسعة من الأصول وإرشادات توجيهية قوية نحو الأمام.

ولكن اللعبة انتهت: فمن غير الممكن لسياسة نقدية وحيدة أن تؤدي المطلوب – كما أن عدم اعتراف مجلس الاحتياطي الفدرالي بالخسارة الكاملة لمصداقيته في السوق يمثل أمراً مقلقاً على أقل تقدير. ومن هنا تتحول القوة الدافعة للسياسات إلى العناصر المالية، إذا ما واجهت العديد من التعجيلات والتأخيرات، تماماً كما كانت البنوك المركزية فاقدةً للتزامن بشكل ملحوظ في اعتمادها لأنظمة التيسير الكمي ضمن الإطار الزمني الممتد بين عامي 2009 و2015.
ولكن حتى كتابة هذه السطور، لا يبدو أن أسواق الأسهم تشاطرنا بالكامل الانطباع المتعلق بما يجري كما أنها لا تدرك الآثار المترتبة في حال توجهنا لخوض فترة طويلة من انعدام اليقين تفقد خلالها الأسواق الثقة بأنظمة التيسير الكمي وتخاطر بالانتظار لفترة طويلة لغاية إجراء تحفيز مالي بحجم يسمح له بقلب الموازين. وبالتالي، تصب توقعاتنا في خانة تصاعد التقلبات خلال الربع الرابع، وهو أمر ظننا أنه سيقطع شوطاً كبيراً بالفعل خلال الربع الثالث.
ولذلك، يتمثل مخططنا الرئيسي للتداول خلال فترة الربع الرابع في أنه مع تراجع الثقة وتأثير التيسير الكمي، نحن نتوقع أن تقدم عملات التيسير الكمي الكبيرة أداءً جيداً مقابل معظم العملات الأخرى، وخاصة تلك التي حققت الاستفادة الأكبر من موضوع الوصول إلى العوائد خلال هذا العام، كالسلع وعملات الأسواق الناشئة.
رسم بياني: الأداء المعدل لعملات الاقتصادات الثلاث الكبرى مقابل عملات السلع بالدولار (المصدر: بلومبيرج)
حُدّد المؤشر عند مستوى 100، في يوم 1 يناير 2007، ويظهر الرسم البياني أدناه العوائد المعدلة لسلة كبيرة من عملات الدولار واليورو والين الياباني مقابل سلة تضم الدولار الأسترالي والكندي والنيوزلندي. وفي حال كانت الأسواق تفقد الثقة بدور إجراءات التيسير الكمي في دفع العملات عن مستوياتها، فإن العملات التقليدية المرتبطة بالتسهيل الكمي – عملات الاقتصادات الثلاث الكبرى وهي الدولار الأمريكي واليورو والين الياباني – قد تسجل ارتفاعاً حاداً مقابل سلع عملات الدولار. حيث أن التأثيرات الهيكلية المعاكسة لفقاعات الديون الخاصة الكبيرة قد تبرز في المشهد مجدداً خلال الربع الأخير من العام، في حين قد تتوقع الأسواق مزيداً من انخفاض أسعار الفائدة وحتى وضع خطط إنقاذ في نهاية المطاف مثل إجراءات التيسير الكمي وغيرها.
تساؤلات حول العملات خلال الربع الرابع
ترامب أم كلينتون؟ سنشهد خلال الربع الأخير من العام تأثيرات ترتبط بوصول دونالد ترامب أو هيلاري كلينتون إلى سدّة الحكم في الولايات المتحدة، وما يرافق ذلك من انعدام للقين. ونتوقع أن فوز ترامب سيعني مزيداً من انعدام اليقين وتزايد مخاطر التصحيح في سوق الأصول، ناهيك عن احتمالات ضعف الثقة بالدولار الأمريكي وتصفية سندات الخزينة الأميركية. وإن التركيز على الآثار المالية لمقترحات ترامب بخفض الإنفاق والضرائب سينطوي على تأثيرات سلبية تطال الدولار الأمريكي.
من جهة ثانية، قد يشهد الدولار بعض التماسك في حال فوز ترامب، وذلك لسببين هما: أن الأسواق قد تستعد لعودة الأرباح الضخمة للشركات، إضافة إلى انحسار المخاطر التي قد تواجه الاقتصاد الأمريكي مقارنة مع الاقتصادات الأخرى. كما أن النفقات المالية الجديدة التي سيحددها ترامب قد تكون متأخرة، في وقت نتوقع فيه تردد بنك الاحتياطي الفيدرالي في التعاون مع ترامب، وهو ما من شأنه تسييس إجراءات الاحتياطي الفيدرالي.
ولم نشهد من فترة طويلة عداءً سياسياً فيما يتعلق بسياسة الاحتياطي الفيدرالي، أي منذ عهد ريغان-فولكر. ونرجح أن فوز ترامب يعني أن جانيت يلين لن تترأس الاحتياطي الاتحادي بعد انتهاء فترتها في مطلع فبراير 2018. نرى أنه من الصعب أن يأتي بديل من نمط يلين/برنانكي، وما فائدة التوجيه المستقبلي لبنك الاحتياطي الفيدرالي مع رئيس نجهل هويته في غضون عام؟
الدولار واليورو أم الين الياباني؟
لا يزال الدولار يشكل باعتقادنا الملاذ الآمن والمفضل في أوقات التقلبات، رغم أن الربع الأخير من العام قد يكون محفوفاً بالصعوبات. ومن الصعب التكهن حول وضع الين الياباني، خاصة وأن الآثار قريبة المدى المتعلقة بتخفيف سياسات بنك اليابان في شهر سبتمبر الجاري تبدو إيجابية بالنسبة للين، وذلك وسط ترجيحات بأن يكون الين أول عملة رئيسية تستمد الحوافز المالية، وهو أمر سيدفع لانخفاض أسعار الفائدة الحقيقية. وقد يبدي اليورو مرونة نسبية لاسيما مع ابتعاد البنك المركزي الأوروبي عن إجراءات التيسير الكمي، ولكن نشوب أزمة سياسية جديدة حول مستقبل الاتحاد الأوروبي إلى جانب التحديات المستمرة التي تواجه البنوك في أوروبا قد يجبر القارة العجوز على اعتماد إجراءات تسهيل ضخمة مع توفير دعم مالي يمكن أن يفضي إلى ضعف حاد لليورو مقابل الدولار الأمريكي.
إلى أي مدى سينخفض الجنيه الاسترليني؟
نتوقع أن يبلغ الجنيه الاسترليني نقطة منخفضة لبعض الوقت خلال الربع الأخير من العام، مع ترجيحات باستمرار الضعف للربع الأول من العام الجديد، ناهيك عن التأثيرات الكبرى لانعدام اليقين عند تفعيل ’المادة 50‘ من معاهدة لشبونة. ويسجل الاسترليني حالياً قيمة منخفضة للغاية، ولكنه لن يستقر أو يصعد إلا عندما نرى بوادر تؤكد انحسار عجز الحسابات الجارية في الاقتصادات المتقدمة. وقد يشهد الاسترليني تحولاً جذرياً مقابل اليورو المتعثر خلال عام 2017.
هل تستطيع العملات الأضعف بين العشرة الأقوى من تحقيق أداء لافت؟
إن الحالة الرئيسية لمجموعة العملات الأضعف بين العشرة الأقوى (ومنها الدولار الأسترالي والكندي والنيوزلندي بالإضافة إلى الكرون السويدي والكرون السويدي) تتسم ببعض التباين رغم أن تلك العملات واجهت مخاطر هيكلية تتعلق بالتضخم الملحوظ لفقاعات الديون الخاصة. وخلال الربع الأخير من العام، قد تظهر بوادر شرخ في بعض تلك الفقاعات، خاصة ضمن قطاع الإسكان في أستراليا وكندا. وعلى المدى الطويل، ستتمثل الاستجابة الحتمية من خلال اتخاذ تدابير إنقاذ ضخمة تتيح للميزانية العامة إنقاذ القطاع الخاص. من جهة ثانية، بدأت عدوى إجراءات التيسير الكمي تصل إلى الاقتصادات الصغيرة، وبعبارة أخرى، رغم أن هذه الإجراءات قد فقدت بريقها في العملات الثلاثة الأقوى إلا أننا سبق وأن مررنا بهذا المشهد من قبل، وهو ما يعني انخفاض أسعار الفائدة الحقيقية وضعف العملات.
ولأنها تمثل سلة من العملات، نتوقع أن تشهد مجموعة العملات العشرة أداءً ضعيفاً مقابل نظيراتها في العملات الثلاثة الكبرى خلال الربع الأخير من العام. ومن بين تلك العملات الخمسة، سيقف الدولار النيوزلندي كالعملة الأكثر مبالغة من حيث تقدير القيمة، كما يسجل الكرون السويدي قيمة منخفضة، في حين تستقر بقية العملات عند المستوى المتوسط، مع العلم أننا نتوقع تفوق الدولار الأسترالي على نظيره النيوزلندي.

من جهة ثانية، قد يستمد الدولار الكندي بعض القوة بالتزامن مع مخاطر فوز ترامب في انتخابات الرئاسة الأمريكية، ولكن قد يسجل قيمة ضعيفة جداً مقابل عملات السلع الأخرى إذا بالغت الأسواق في استجابتها. وقد نشهد بالرغم من ذلك انخفاض زوج السلع الدولار النيوزلندي/الدولار الكندي نحو مستويات متدنية. وبالتوازي مع الانخفاض الشديد لقيمة الكرون السويدي، يحظى الكرون النرويجي بتسعير جيد نسبياً، ولكنه لا يزال منخفض القيمة رغم أنه يوفر معدلات الفائدة الحقيقية الأكثر سلبية التي تتسم بها مجموعة العملات العشرة.
هل سيتواصل انخفاض قيمة اليوان؟
تبدو نوايا الحكومة الصينية غامضة إزاء سياسة العملة. ولكن التراكم الواضح والمخيف جداً في فقاعة الائتمان، وما يرافق تلك الفقاعة من قروض متعثرة لا مفر منها، فإن انخفاض قيمة العملة يمثل أحد صمامات الأمان المتاحة لتخفيف الضغط. ونرجح أن تحافظ الصين على سعر مستقر للغاية على الأقل لحين انتهاء الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة.