دبي – مينا هيرالد: أصبحت الطاقة الخضراء محوراً أساسياً وشغلاً شاغلاً للباحثين والعلماء والقادة حول العالم، ذلك العالم الذي أدرك في الفترات الأخيرة خطورة الموقف الذي يمر به، ومدى الأضرار التي سببها لبيئته في البر والبحر والجو. لقد أفرط العالم في الماضي في استخدام مصادر الطاقة التقليدية مثل الوقود الأحفوري، التي ينتج عنها نسبة كبيرة من انبعاثات الكربون الملوثة للبيئة والمضرة لجميع أشكال الحياة على سطح الأرض، ولكن أدرك العلماء والقادة الملهمون في العالم خطورة ما سيؤول إليه هذا السلوك، فكان التوجه نحو تبني حلول الطاقة التي يتم إنتاجها من المصادر الطبيعية المستدامة؛ فمعظم مصادر الطاقات المتجددة منبعها ومصدرها الأساسي هو الطبيعة كالإشعاع الشمسي والرياح والمياه ودوران الأرض وحرارة جوفها.
وتأتي ظاهرة التغير المناخي لتدق ناقوس الخطر وليعلم العالم أننا أمام تحديات جدية يتعين علينا جميعاً التكاتف لمواجهتها والتغلب عليها. وأدى التوجه نحو تطوير الصناعة في الأعوام الـ 150 المنصرمة إلى استخراج وحرق مليارات الأطنان من الوقود، وأطلقت غازات الدفيئة؛ وهي من أهم أسباب تغير المناخ. وتمكنت كميات هذه الغازات من رفع حرارة الكوكب مقارنة بمستويات ما قبل الحقبة الصناعية، ما أدى إلى خسائر كثيرة تكبدها البشر وأنواع كثيرة من الكائنات الحية المعرضة للانقراض؛ لكن ما حدث ويحدث ليس بهول ما قد ياتي في المستقبل. فاذا تقاعسنا عن التحرك لكبح سرعة عواقب التغير المناخي يتفاقم عدد البشر المهددين، وترتفع نسبة الأنواع المعرضة للانقراض إلى الثلث بينما من المتوقع أن تؤدي العواقب المالية للتغير المناخي إلى تجاوز إجمالي الناتج المحلي في العالم أجمع مع حلول العام 2080.
ويعكس معرض تكنولوجيا المياه والطاقة والبيئة (ويتيكس 2016)، الذي نظمته هيئة كهرباء ومياه دبي، بتوجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وتحت رعاية سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم، نائب حاكم دبي وزير المالية رئيس الهيئة، خلال الفترة من 4 إلى 6 أكتوبر الجاري في مركز دبي الدولي للمؤتمرات والمعارض، تلك الرؤية الثاقبة والقيادة الرشيدة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رعاه الله، الذي يؤكد في جميع المحافل أن دولة الإمارات عازمة على أن تكون نموذجاً ملهماً لغيرها من دول العالم في مجال ابتكار الحلول الخضراء وتبنيها في جميع المجالات وتصديرها إلى العالم. وكان صاحب السمو قد أطلق المبادرة الوطنية طويلة المدى عام 2012 لبناء اقتصاد أخضر في دولة الإمارات تحت شعار “اقتصاد أخضر لتنمية مستدامة”، وتهدف من خلالها دولة الإمارات لأن تكون إحدى الدول الرائدة عالمياً في هذا المجال، ومركزاً لتصدير وإعادة تصدير المنتجات والتقنيات الخضراء، بالإضافة إلى الحفاظ على بيئة مستدامة تدعم نمواً اقتصادياً طويل المدى، حيث تشمل المبادرة مجموعة من البرامج والسياسات في مجالات الطاقة والزراعة والاستثمار والنقل المستدام، بالإضافة لسياسات بيئية وعمرانية جديدة تهدف لرفع جودة الحياة في الدولة. كما أطلق سموه العام الماضي استراتيجية دبي للطاقة النظيفة 2050، التي تستهدف زيادة حصة الطاقة النظيفة في مزيج الطاقة في دبي لتصل إلى 75% بحلول عام 2030.
وقد استحوذت حلول الطاقة الخضراء وتقنياتها على اهتمام واسع من العارضين والزوار خلال أيام المعرض، الأمر الذي يؤكد اضطلاع دبي بدورها الريادي في إبراز أهمية الطاقة الخضراء حول العالم. ويأتي معرض ويتيكس في وقت نجح قطاع الطاقة الخضراء في زيادة عدد الوظائف فيه عالميا بنسبة 5% خلال العام 2015. وتشير تقديرات الوكالة الدولية للطاقة المتجددة “أيرينا” التي تتخذ من أبوظبي مقراً لها أن عدد الموظفين في شركات الطاقة النظيفة وصل إلى نحو 8,1 مليون عالمياً في العام المنصرم، من واقع 7 ملايين في العام الذي سبقه، ويعمل عدد آخر يصل إلى 1,3 مليون شخص في قطاع الطاقة الكهرومائية، الذي لم تضمنه إيرينا إحصائيتها نظراً لطبيعة التقلب التي تتسم بها بين وقت وآخر. كما تبين الأرقام التي نشرتها الوكالة أن هناك تحولاً عالمياً وانتعاشاً في سوق الطاقة النظيفة في آسيا على عكس أسواق دول الاتحاد الأوروبي، التي شهدت انخفاض في الوظائف بهذا المجال.
ويعتبر التقرير أن الصين هي أكبر سوق للطاقة الخضراء في العالم حيث بلغت القوة العاملة في مؤسسات الطاقة النظيفة حوالي 3,5 مليون في 2015. ويشير تقرير الوكالة إلى أن عدد وظائف العاملين في قطاع الطاقة المتجددة الحالي وهو 8,1 مليون سيرتفع بحلول 2030 إلى 24 مليوناً، مع توقع ارتفاع حصة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة العالمي بنحو الضعف. واستحوذ قطاع الألواح الشمسية على نصيب الأسد في مجال وظائف الطاقة المتجددة في العام 2015، حيث بلغ 2,8 مليون وظيفة، يليه سوائل الوقود الحيوي بنحو 1,7 مليون وظيفة، ومن ثم الرياح بنحو 1,1 مليون. وتتجه اليابان نحو تشجيع توليد المزيد من الكهرباء باستخدام الطاقة الشمسية. وفي دول الاتحاد الأوروبي، تستأثر ألمانيا بأعلى نسبة توظيف في قطاع الطاقة المتجددة حيث يصل إلى 355 ألفاً، وهو حوالي مجموع الوظائف في المملكة المتحدة وإيطاليا وفرنسا.
واستقطب معرض “ويتيكس” زواراً تجاريين كثر من دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وقطر وعمان والصين واليابان وتركيا وكندا وفرنسا وألمانيا والهند وماليزيا والولايات المتحدة الأميركية، وغيرها من الدول أتوا لتبادل الخبرات وعرض واكتشاف آخر المستجدات التقنية والمعلومات في مجالات الطاقة والبيئة والمياه. كما تخلل المعرض تنظيم مجموعة من الندوات حول الإدارة الفعالة للموارد، ومصادر الطاقة المتجددة، مع عرض للتحديات والحلول التكنولوجية والابتكارات المطروحة لاستخدام ذكي ورشيد ومستدام للطاقة.
وشهد اليوم الأخير من المعرض عقد ندوات بشأن سبل تخزين الطاقة ومختلف التقنيات للمحافظة عليها في التصنيع والاستخدام المنزلي، بالإضافة إلى عرض تجربة دولة الإمارات في مجال الطاقة المتجددة، وتبادل أفضل الممارسات في هذا المجال. إلى ذلك، تميز المعرض بزيارة وفود المدارس والجامعات المشاركة واستعراض مشاريعهم المتعلقة بالاستهلاك الرشيد للموارد البيئية ومفهوم الاستدامة.
وحول ذلك علق/ سعادة سعيد محمد الطاير، العضو المنتدب الرئيس التنفيذي لهيئة كهرباء ومياه دبي المنظمة للمعرض:”إننا مسرورون بهذا النجاح الباهر الذي حققته الدورة الثامنة عشرة من المعرض والتي أثبتت من خلال عدد ونوعية المشاركين والعروض والطروحات أن ويتيكس تظاهرة مثالية في مجال الطاقة الخضراء والمتجددة.”
وتابع سعادته قائلاً: “جاء تنظيم هذه الدورة تحت شعار (في طليعة الاستدامة) لتأكيد تصميم دولة الإمارات وإمارة دبي على دعم المبادرات والمشاريع الذكية واعتماد السياسيات الخضراء في مختلف المجالات الاقتصادية والحيوية من أجل تحقيق التنمية المستدامة. وهناك لقاءات وورشات عديدة تجمع صناع القرار بمستثمرين في قطاعات الطاقة والمياه والبيئة وخبراء محليين ودوليين بغرض إحداث عصف ذهني واسع النطاق يطرح التحديات ويستعرض الحلول المختلفة والتي تصب جلها نحو هدف واحد هو الحفاظ على الموارد البيئية وإيجاد مصادر بديلة للطاقة”. وأضاف قائلاً: “تسعى هيئة كهرباء ومياه دبي دائماً الى الريادة في كل المجالات للارتقاء لطموحات وتوقعات قيادتنا والمساهمة في توفير الموارد الطبيعية لنا ولأجيالنا القادمة.”
الطاقة الشمسية
تعد الطاقة الشمسية هي المصدر الأكثر شيوعاً في مصادر الطاقة النظيفة في دولة الإمارات لوقوعها ضمن نطاق الحزام الشمسي. ففي دبي يصل الإشعاع الشمسي الكامل الذي يمكن استخدامه لتقنية الخلايا الكهروضوئية إلى 2150 كيلووات ساعة/متر مربع في العام، في حين أن الجزء المباشر من الإشعاع الذي يمكن استخدامه في تقنية الطاقة الشمسية المركزة حوالي 1850 كيلووات ساعة/متر مربع في العام، ومن شأن هذه الميزات أن تعزز تطبيقات الطاق الشمسية في دبي.
مبادرة شمس دبي
أتاحت هيئة كهرباء ومياه دبي لمتعامليها الفرصة ليكونوا منتجين للطاقة النظيفة، وذلك عقب إصدار المجلس التنفيذي لإمارة دبي القرار رقم (46) لسنة 2014 بتنظيم ربط وحدات إنتاج الطاقة الكهربائية من الطاقة الشمسية بنظام توزيع الطاقة في دبي. ويوحد القرار الإطار التشريعي المنظم لعملية ربط وحدات الإنتاج المنتجة حصرياً من الطاقة الشمسية بنظام التوزيع، ويهدف للمساهمة في تحقيق مبادرة دبي الذكية التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم، دبي رعاه الله، لتحويل دبي إلى المدينة الأذكى في العالم، وتشجيع أفراد المجتمع ومؤسساته على إنتاج الطاقة الكهربائية من الطاقة الشمسية، والمساهمة في تنويع مصادر الطاقة عن طريق زيادة حصة الطاقة المتجددة كأحد مصادر تنوع الطاقة الكهربائية، كذلك المساهمة في حماية البيئة من خلال تقليص آثار الانبعاثات الكربونية، وتشجيع نمو الاقتصاد الأخضر لتحقيق التنمية المستدامة.
وتتيح مبادرة “شمس دبي” لأصحاب المباني والمنازل تركيب لوحات كهروضوئية على الأسطح لإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية، وتقوم الهيئة بربطها مع شبكة الهيئة، حيث يتم استخدام الطاقة التي يتم إنتاجها داخلياً مع تحويل الفائض إلى شبكة الهيئة. وقد خصصت الهيئة أكثر من 2.6 مليار درهم لدعم البنية التحتية من مشاريع الكهرباء والمياه والطاقة المتجددة، وفق أفضل المعايير العالمية، لضمان تنظيم أفضل نسخة من معرض إكسبو الدولي في دبي عام 2020، مع التركيز على مصادر الطاقة المتجددة بما يتوافق مع شعار المعرض “تواصل العقول .. وصنع المستقبل”، وموضوعاته الفرعية الثلاثة المتمثلة في الاستدامة والتنقل والفرص”.
وتفعيلاً لمبادرة “شمس دبي”، تتعاون هيئة كهرباء ومياه دبي مع مختلف الجهات والهيئات لإنشاء وتركيب الألواح الكهروضوئية، ويعتبر المشروع جزءاً من توجه بيئي أوسع نطاقاً تم وضع خطوطه العريضة ضمن “استراتيجية دبي للطاقة النظيفة 2050. وأعلن سعادة سعيد محمد الطاير خلال ثاني أيام معرض ويتيكس عن أكبر مشروع لتركيب الألواح الشمسية الكهروضوئية على أسطح المباني في الخليج ومنطقة الشرق الأوسط، عبر تركيب 88 ألف لوحة شمسية على أسطح المباني التابعة لموانئ دبي العالمية في المنطقة الحرة لجبل علي وفي ميناء راشد.
مجمع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية
يعد مشروع مجمع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية من أبرز المشروعات الكبرى التي تنفذها الهيئة ضمن مسار البنية التحتية؛ أحد المسارات الخمس التي تتألف منها استراتيجية دبي للطاقة النظيفة 2050، وهي البنية التحتية، والبنية التشريعية، والتمويل، وبناء القدرات والكفاءات، وتوظيف مزيج الطاقة الصديق للبيئة. ويعد المجمع أكبر مشروعات الطاقة الشمسية في العالم (في موقع واحد)، حيث ستبلغ طاقته الإنتاجية 5000 ميجاوات بحلول عام 2030. وسيسهم المشروع في خفض ما يقارب 6.5 ملايين طن من الانبعاثات الكربونية سنوياً، الأمر الذي يدعـم المبادرات والبرامج الخضراء التي تنفذها حكومة دبي لخفض الانبعاثات الكربونية.
وتشمل مشاريع المجمع – إلى جانب مشاريع إنتاج الطاقة – مركز البحوث والتطوير، الذي يضم مركزاً لاختبارات الطاقة الشمسية، ومركزاً للابتكار، ومرافق تعليمية ومركزاً للتدريب، ومحطة تحلية المياه بتقنية التناضح العكسي باستخدام الخلايا الشمسية.
وتعتزم الهيئة بناء أكبر مشروع للطاقة الشمسية المركزة (CSP)في العالم بنظام المنتج المستقل. وقد طلبت من الشركات الاستشارية العالمية الرائدة التقدم بعروضها لعقد الخدمات الاستشارية للمرحلة الأولى من محطة الطاقة الشمسية المركزة بقدرة 200 ميجاوات، والتي ستدخل حيز التشغيل بحلول إبريل 2021، للوصول الى 1000 ميجاوات بهذه التقنية بحلول عام 2030.
مواجهة المخاطر البيئية بالمعرفة
أبرمت هيئة كهرباء ومياه دبي اتفاقيات مع عدة هيئات ومؤسسات وشركات عالمية منها “آر.دبليو.إي” و”فيرست سولار” و المختبر الوطني للطاقة المتجددة (NREL) التابع لوزارة الطاقة الأمريكية لتدريب موظفي الهيئة في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية لتبادل الخبرات والتعرف على أحدث التطورات العالمية في مجالات الطاقة والمياه والبيئة، الأمر الذي يعكس حرص الهيئة على تعزيز التبادل المعرفي بين موظفيها ونظرائهم في المؤسسات العالمية، وقد رصدت هيئة كهرباء ومياه دبي 55 مليون درهم كميزانية للمنح الدراسية لعام 2015. وقامت الهيئة بابتعاث مهندسين من كوادرها إلى مدينة إيسن الألمانية ضمن أول دفعة لبرنامج متكامل للتدريب، وكذلك أوفدت عدداً من موظفيها إلى جامعة أريزونا لدراسة الطاقة المتجددة. كما تتعاون الهيئة مع الوكالة الدولية للطاقة المتجددة “أيرينا”، والأمم المتحدة في مجال البحوث والدراسات المشتركة في مجالات الطاقة المتجددة والبديلة، وفي برامج ومبادرات تقليل البصمة الكربونية والحد من انبعاث غازات الدفيئة.