بقلم أولي هانسن ، رئيس قسم استراتيجيات السلع لدى ’ساكسو بنك‘
إيجابية مع التحفّظ
تمضي السلع قدماً نحو أول عام من الإيرادات الإيجابية منذ 2010، غير أن اقتصار صعود مؤشر ’بلومبيرغ‘ للسلع على أقل من 10% يشي بأن الأمور قد تأخذ مساراً آخر قبل نهاية العام الجاري؛ ففي حين يواصل قطاع الطاقة تعزيز استقراره بعد عامين من البيع، إلا أن قطاع المعادن بأرباحه البالغة 26% هو الذي لعب الدور الرئيسي في الحد من تراجع السلع.
ولم يتعاف الطلب العالمي على السلع بالشكل المطلوب حتى الآن، فيما لا يزال النمو العالمي موضعاً للكثير من التساؤلات؛ حيث تعزى معظم الأرباح (عدا أرباح المعادن الثمينة) إلى قيام الجانب المزوّد بالتأقلم مع الواقع الراهن إمّا عن طريق خفض الإنتاج (كما هو حال النفط والمعادن الصناعية)، أو بسبب انقطاعات الإنتاج الناجمة عن الظروف الجوّية (السلع الخفيفة).
أسعار النفط: انخفاض متواصل لفترة أطول
شهد مطلع العام الجاري توقعات واسعة النطاق بأن تتعافى أسعار النفط في الربع الأخير؛ حيث كان هذا الافتراض يقوم على فكرة أن استمرار الأسعار المنخفضة لفترة طويلة سيؤدي في نهاية المطاف إلى تحفيز طلب قوي، وذلك مع تخفيض تكاليف الإنتاج العالية بما يكفي لإعادة التوازن إلى السوق، ولكن سوق النفط لا تزال عالقة ضمن النطاق 45 إلى 50 دولار للبرميل، وسوف تواجه مصاعب جمّة للخروج منه مع اقترابنا من نهاية العام.
وقد تأخرت عودة التوازن إلى سوق النفط مؤخراً كنتيجة لارتفاع معروض ’أوبك‘ (بما يشمل الإنتاج الجديد، والمعروض المخفّض) ووصول الإنتاج الروسي إلى مستويات قياسية جديدة. علاوة على ذلك، أبدى الربع الماضي علامات مقاومة في أوساط المنتجين ذوي التكاليف العالية في الولايات المتحدة، والذين يعمدون مجدداً إلى تشغيل مزيد من المنصات رغم توجّه الإنتاج النفطي نحو الاستقرار حالياً.
وتم إلغاء استراتيجية زيادة ضخ الكميات لإغراق السوق التي انتهجتها المملكة العربية السعودية في نوفمبر من عام 2014 يوم 28 سبتمبر عندما قرر أعضاء منظمة ’أوبك‘ المجتمعون في العاصمة الجزائر خفض الإنتاج بمقدار يصل حتى 700 ألف برميل يومياً، مع توقع الموافقة على عملية إعادة التوزيع عليها خلال الاجتماع الرسمي القادم لمنظمة ’أوبك‘ يوم 30 نوفمبر.
وتم اتخاذ قرار يقضي بتخفيف حدة تقلب السوق مع حد الاتجاه التصاعدي حتى ظهور أوائل علامات الانخفاض في حدة زيادة العرض في العالم.
ولم تتم الإجابة على عددٍ من الأسئلة خلال الاجتماع:
من سيقوم بخفض الإنتاج باعتبار أنه سيتم استبعاد بعض الأعضاء بما يتضمن نيجيريا وليبيا وأخيراً وليس آخراً إيران؟
من سيقود عملية التخفيض بموجب نظام برميل مقابل برميل مقابل الزيادة المتوقعة في الإنتاج نتيجة خروج نيجيريا وليبيا؟
هل ستكون ’أوبك‘ في واقع الحال أهلاً لمهمة فرض الامتثال لقراراتها، خاصةً وأن تاريخها الحديث يثبت أن الإنتاج الفعلي كان قد تخطى المستويات المتفق عليها في أغلب الأوقات.
متى ستدخل عمليات خفض الإنتاج حيز التنفيذ؟ وفي حال لم تتم الموافقة عليها قبل 30 نوفمبر، من غير المحتمل أن يكون أثرها ملموساً بشكل جيد خلال عام 2017.
ولكن الشيطان يكمن في التفاصيل، فهذا القرار كان الأسهل قياساً بالمساومات الصعبة الجارية حالياً قبل اجتماع 30 نوفمبر. وفي حال وافقت روسيا، سيكون لدينا صفقة مناسبة يمكن لها أن تعود بالنفط إلى مستويات شهر يوليو، ولكن من غير المرجح أن تتجاوزها خلال هذه المرحلة.
وثمة إقبال في أوساط المنتجين الأمريكيين على اغتنام فرص التحوّط في عامي 2017 و2018، بينما أصبح الكثير من المستثمرين مستعدين الآن لإقراض القطاع في ظل الأرباح السلبية للبنوك المركزية. وفي حال نجحت صفقة ’أوبك‘ فهي سترحب بعودة الولايات المتحدة وغيرها من المنتجين بتكاليف عالية بالنظر إلى الإمكانيات التي توفرها في مجال تثبيت، وتعزيز الإنتاج في نهاية المطاف.
وعلاوة على ذلك كلّه، سوف نكون بحاجة إلى ارتفاع في أسعار النفط كي نجتذب الاستثمارات المطلوبة لضمان استقرار المعروض.
ونحن نتوقع أن يبقى خام برنت عالقاً في النطاق 45 إلى 50 دولار خلال الربع الأخير، ومن المستبعد عند هذه المرحلة أن يكون هناك أي أثر إيجابي على الأسعار في حال تم التوصل إلى الصفقة المنشودة بين دول ’أوبك‘، ولو أن صفقة كهذه سوف يكون من شأنها تقليص الوقت المطلوب لحل مشكلة الفائض العالمي في معروض كل من النفط الخام والمنتجات النفطية.
كما أنّه من المستبعد أن يكون أثر هذه الخطوة ملموساً حتى 2017، وذلك بناءً على افتراض أن الطلب العالمي سوف يواصل الارتفاع. وكانت وكالة الطاقة الدولية قد أشارت في تقرير حديث لها إلى أن نمو الطلب على النفط من الصين والهند كان آخذاً بالتباطؤ بوقع أسرع مما كان متوقعاً في بادئ الأمر، وذلك كنتيجة لحالة انعدام اليقين السائدة على المشهد الاقتصادي الكلي.
وتعزى أغلب التقلّبات في الربع الثالث إلى صناديق التحوّط، وذلك نظراً لطبيعة هذه الصناديق المحدودة ضمن نطاقات معيّنه، والتي أفضت إلى ظهور إشارات خاطئة في كلا الاتجاهين؛ حيث ساهمت هذه الإشارات بدورها في دعم حالة المد والجزر في المواقع ذات الطبيعة التخمينية، مما أدى بدوره إلى نشوء هذه التقلبات الكبيرة. وفيما نقترب من الربع الأخير، فإن الصناديق ما زالت في حال إيجابية بشكل كبير، غير أن صافي المواقع طويلة الأمد قد انخفض بمعدل 40% قياساً بالقمم التي تم تسجيلها في أبريل وأغسطس من العام الجاري.
المعادن الثمينة تواجه ربعاً حافلاً بالتقلّبات
هناك العديد من المواضيع التي يجب على متداولي الذهب التعامل معها خلال الأشهر القادمة، مثل الانتخابات الأمريكية التي تقف على الأبواب، واحتمال رفع أسعار الفائدة في ديسمبر، والوجهة الحالية للدولار، والسندات العالمية، والمخاوف المتزايدة حيال الأسعار السلبية لدى العديد من البنوك المركزية، وغير ذلك.
لقد أمضى الذهب الربع الثالث عالقاً ضمن نطاق محدد نشأ بعد تصويت البريكست في 23 يونيو، وقد بدأ الطلب من المستثمرين بالتلاشي فيما يواصل المعدن البرّاق حركته ضمن نطاق متضائل (نشأ بدايةً بين 1300 و1375 دولار للأونصة). وقد ارتفع إجمالي مواقع المنتجات المتداولة في البورصة خلال النصف الأول من العام، وبقي عند المستوى ذاته منذ ذلك الحين. كما بقيت صناديق التحوّط على حالها، ولكّنها ساهمت في رفع المراهنات الإيجابية طوال الأشهر الثلاثة الماضية.
ويعزى ارتفاع الأسعار في وقت سابق من العام الجاري إلى الطلب الاستثماري بالدرجة الأولى (أكثر من الطلب على السلع الملموسة). وفي حين وصل إجمالي مواقع السلع المتداولة عبر البورصة ومواقع مدراء الأموال في العقود الآجلة إلى مستوى يقل عن قمة عام 2012 بمقدار 13%، غير أن القيمة الاسمية لهذا الإجمالي ما زالت أدنى من القمة المشار إليها بنحو 35%.
ويعتبر تراجع أرباح السندات العالمية من أهم العوامل الرئيسية التي أدت إلى الارتفاع المذهل للذهب والفضّة؛ حيث أسهم ذلك في خفض تكاليف اغتنام فرص امتلاك مواقع في الذهب (أو إزالة هذه التكاليف أحياناً) بالتوازي مع انخفاض أرباح السندات الحكومية (أو سلبيتها).
وثمة عوامل أخرى ما زالت تشكّل مصدر هوس للسوق، بما فيها الوجهة المستقبلية لأسعار الفائدة الأمريكية على المدى القصير، والدولار، وتوجهات الأسعار العامّة في قطاع السلع ككل.
ونحن نرى بأن الوجهة العامّة للذهب على المدى الطويل ستكون مزيداً من الصعود، غير أن سلوك السوق على مدى الأشهر القليلة الماضية يشير إلى أن المعدن الأصفر قد يحتاج لفترة أطول من التوحيد قد يختبر خلالها الدعم الرئيسي دون مستوى 1300 دولار للأونصة.
ومن وجهة نظر تقنية، فإن الحركة الصاعدة التي عاشها الذهب بعد البريكست قد فقدت زخمها عند مستوى 1375 دولار للأونصة، وهو مستوى ينسجم مع المسار المرتبط بقمّة عام 2012، والتصحيح بنسبة 38.2%، وحركة البيع التي استمرت حتى ديسمبر الماضي.
وفي حال حدوث كسر لهذا المستوى في آخر المطاف، فإن الذهب قد يتجّه بداية إلى امتداد عند المستوى 1485 دولار للأونصة.
وإلى حين حدوث كسر من هذا النوع، فسوف يكون احتمال الهبوط أهم المخاطر على مدى الأشهر القليلة القادمة، مع الإشارة إلى أن أي كسر محتمل دون 1300 دولار للأونصة سيكون بمثابة تطوّر إيجابي بما أنّه سيجبر السوق على الاستجابة وإخراج قدراتها الكامنة.
وقد تشكّل الفترات العصيبة في الكثير من الأحيان مقياساً لقوة السوق، وقد يحتاج الذهب اختباراً من هذا النوع بعد ارتفاعه بنسبة 23% منذ بداية العام وحتى الآن.
ونظراً لمخاوفنا المتزايدة من احتمال أن يستعيد الدولار بعضاً من قوته في الأشهر المقبلة، فإننا نتطلع إلى أسعار الذهب بعملات أخرى بحثاً عن زخم صاعد (مثل اليورو أو الدولار النيوزيلندي أو الين الياباني) وفقاً لمنظورنا الخاص بالفوركس وتعليقات كبير اقتصاديينا ستين جاكوبسن.